عندما تغني فيروز، تصمت الكائنات، وتنصت للصوت الآتي من جبال الأرز، النقي نقاء النبع، وتسحرك الكلمات والمعاني، فتحلق دونما تدري مع اللحن والكلمات. نعم، يبقى أنين الناي في آذان وقلوب العشاق، معه يعيشون، وبه يغنون أغنية للمحبوبة.

ولكن ما هي قصة الناي هذا، الذي سحر العقل والقلب والوجدان، برغم نبرة شجن تتصاعد منه، وتتناثر في أرجاء كون رحب، هنا وهناك؟هي قصة شرقية ضربت جذورها على ضفاف النيل بمصر الفرعونية، فالناي آلة موسيقية مصنعة من قصب السكر المجوف، ينبعث منها صوت شجي، لها ستة ثقوب من الأمام، كل ثلاثة ثقوب تتبعد قليلاً عن الثلاثة الأخرى، ويوجد ثقب رابع من الوراء في منتصف الناي، وهي مفتوحة بنسب حسابية خاصة حسب نسب السلم الموسيقي العربي.ومن قواعد تصنيع هذه الآلة الشرقية، أولاً أن لا يقطع قصب السكر من أرضه قبل نضوجه، وثانياً أن يثقب من الداخل بدءا من طرف الفم على أن يكون الثقب صغيراً ويتدرج في الاتساع النسبي وينتهي الاتساع ليكون بحجم قطر القصبة.

وقد تخصص المصريون في صناعة الناي من أجود أنواع قصب السكر، الذي اشتهرت زراعته في الريف المصري، وزحفت صناعة آلة الناي إلى المدن والمحافظات المصرية، ومازالت صناعته حتى اليوم موجودة، خاصة في القرى، وهي صناعة يدوية متوارثة أباً عن جد، ولم تتدخل الميكنة في صناعة الناي.وللناي طريقة عزف خاصة جداً، فيوضع الناي على جانبي الفم، ويحبس الهواء من الجانب الأيمن، ويوضع الناي مستقيماً وعندما يرغب عازف الناي تنوع النغمات أي استعمال علامات التحويل الرافع والخافض، يميل الناي إلى الجهة اليمينى ثم إلى اليسار من الفم، وللعازف أن يحتفظ بكمية من الهواء في فمه يصرفه عند الحاجة إليه حتى يصدر الناي النغمة الموسيقية نقية.

وللناي قصة فرعونية، بدأت على ضفاف نهر النيل، ومازالت تصدح حتى الآن على ضفافه في قرى وريف مصر المحروسة، ولكن ما هي تلك القصة الفرعونية وحكايتها مع الناي؟من الحقائق التاريخية التي تم اكتشافها مؤخراً، والتي خالفت ما استقرت عليه المراجع العلمية بما في ذلك دائرة المعارف البريطانية، أن الواضح الحقيقي للنوتة الموسيقية وأول من حدد وسجل الموسيقى هم الفراعنة في مصر القديمة.وتؤكد تلك الحقائق التاريخية أنه ليس فيثاغورس ـ كما شاع ـ من قبل ـ هو الذي ساهم في وضع نظريات السلم الموسيقي الذي يرتكز إلى حد كبير على بعض النظريات الرياضية ـ تؤكد هذه الحقائق أن القدماء المصريين هم أول من وضع السلم الموسيقي، فالموسيقى في مصر القديمة جزء من التراث العلمي والديني، وكانت مدونة على جدران المعابد وتناقلت عبر الأجيال.

وتؤكد الدراسات التاريخية كذلك بأن فيثاغورس «572 ـ 497 قبل الميلاد»، عاش في مصر أكثر من 12 عاماً، تعلم الكثير من علومها وحضاراتها وخاصة السلم الموسيقي، ويؤكد ذلك «هيرودوت» من إنه سمع من في مصر أغنيات صارت فيما بعد أغنيات شعبية في اليونان.

ويرجع الفضل في هذا الاكتشاف للباحث الأميركي «روبرت كارس» من جامعة كاليفورنيا، ولخبير موسيقى الناي، العازف محمد عفت المتخصص في العزف على الناي، والذي أدرك بخبرته الطويلة المتخصصة، إنه من الممكن التوصل للنغمات الحقيقية لموسيقى الفراعنة، إذا ما أمكن العزف على أحد نايتهم القديمة المحفوظة بالمتحف المصري، ذلك لأن الناي هو الآلة الموسيقية الوحيدة المصنعة من الغاب منذ آلاف السنين.

وبالفعل تمكن العازف المصري المتفرد محمد عفت أن يعزف على الناي الفرعوني، وما كادت أنفاسه تسري في الناي الذي يرجع تاريخه إلى 3400 سنة حتى خرجت النغمات في خشوع وجماليات.

وقد انتهت مجموعة البحث المصرية الأميركية إلى نتائج مدهشة منها أن آلة الناي تعود إلى عصر الدولة الوسطى والدولة الحديثة عثر عليها في منطقة «بني حسن» بالمنيا في صعيد مصر، وفي هرم سقارة بالجيزة، وقد أعطى آلة الناي هذه ذبذبة 439.

يوضح التاريخ أن آلة الناي موجودة قبل الإسلام وهذا ما أكده الباحثون في تاريخ آلات النفخ التي تعتمد في صناعتها على الغاب أو العظام.

وقد ذكر الفارابي في كتابه «الموسيقي الكبير» وصفاً تفصيلياً للناي ونغماته والمواد المصنع منها.

ولأن الناي ـ صناعة ونغمات ـ من أجمل ما صنع وعزف الإنسان منذ القديم متدرجاً به حتى الآن، لم تنل أي آلة موسيقية شرقية أو غربية كل هذا الاهتمام، مثلما كان للناي الحزين، وقد جاء وصف الناي وطريقة صنعه، ونغماته بالتفصيل في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، ولم ينل كتاب في الأدب العربي شهرة هذا الكتاب لأهميته في الأدب، فقد أنفق الأصفهاني نصف قرن في تأليف كتابه هذا، وقد حظي الناي بصفحات وافرة فيه.

أوبرا «الناي السحري» للموسيقار موتسارت أوبرا عالمية تدور قصتها في إطار خيالي حول كيفية الإرتقاء بالإنسان عن طريق توظيف العقل والحكمة والصراع بين الخير والشر من خلال مجموعة من التناقضات التي يتعامل معها الإنسان في رحلة عمره في الدنيا.

قدمت هذا العمل الفني الراقي دار الأوبرا المصرية ضمن حفلاتها المنوعة على مدار العام على المسرح الكبير.

ولأن للناي منزلة خاصة في النفس والوجدان، فنغماته تسري بهدوء وشجن يحلق معها الإنسان وسط إيحاءات يصدرها أنين الناي، نجده يحتل مكانة خاصة في قلوب الموسيقيين والشعراء من بين كل الآلات الموسيقية الأخرى، ربما لأنه يمس وتراً خاصاً داخل الإنسان خاصة الفقير، لأن الناي مصنع من مواد بسيطة الثمن خلافاً للآلات الموسيقية الأخرى، ويمكن لأي إنسان ان يجرب العزف عليه بطريقة تلقائية فطرية، فتنبعث منه نغمات جميلة عشوائية ولكنها تنقل ما لم تنقله الكلمات من شجن وجماليات التعبير أيضاً.

وهناك تجاوب روحي بين الناي وعازفه، فالناي ـ كما وصفه الشعراء ـ يشعر بحزن صاحبه وبشجنه فيتجاوب معه ويصدر صوت الأنين الذي اشتهر به الناي.

وفي قصيدة للمتصوف جلال الدين الرومي، يتساءل: لماذا يئن الناي هكذا؟ ويقول نيابة عن آلة الناي: «لأنهم قطعوني من الغدير الذي كنت فيه، وفرقوني عن بقية أصحابي من القصب، فأحن إليهم».

هكذا كان الحوار فيما بين الناي والصوفي جلال الدين الرومي، حوار يعكس غربة الإنسان، عندما يتوحد مع ذاته، يقولها الناي في نغمات بسيطة ومعان تشمل جوانب الإنسان كلها بكل تناقضتها.

قصتنا مع الناي مسترسلة استرسال نغماته، فهو آلة كل مهاجر بعيد عن أرضه، غريب في زمنه، فهو يئن مثلهم عندما يشتد بهم الحنين للأوطان والأهل والأولاد.

منهم جبران خليل جبران، الذي هاجر من لبنان إلى أميركا، وفي مهجره في البعيد، قال قصيدته الشهيرة «أعطني الناي وغني» التي غنتها فيروز، فكأن جماليات الكلمة والصوت وأنين المغتربين في كل مكان.

ومنهم أيضاً، ممن حملوا غربتهم معهم «البروفيسور علي جهاد الراسي» الذي بدأ مشواره الموسيقي مع الناي صبياً في قريته بلبنان، ومنها رحل لأميركا ـ أرض الأحلام ـ وقتذاك، حاملاً معه هذه القصبة الصغيرة ومازال يعزف عليها كلما اشتد به الحنين، وأصبح «الراسي» استاذاً للموسيقى الشرقية بجامعة كاليفورنيا.

وماذا عن حكاية الفن السابع المصري ـ فن السينما ـ الذي احتفل مؤخراً بمرور أكثر من مئة عام على إنشاء هذا الفن في مصر بلد الحضارة والفنون؟ لهذا الفن باع طويل مع الناي، مع الشجن والحب والجمال، ولكن كيف؟ العديد من الأفلام المصرية إبتداء من أفلام الأبيض والأسود وحتى الآن نجد البطل وغالباً ما يكون بالفعل من المغنين أو الموسيقيين، يعزف تحت شجرة «أم الشعور» على حافة النهر أو الغدير أو الترعة في الريف المصري، يعزف على الناي الذي يترجم أحاسيسه يعزف النغم الشجي الحزين، فيتصاعد العزف ليلف المكان كله فتكون منظومة الحب والشجن والجمال، منظومة كل إنسان.

ويعتبر فيلم «حسن ونعيمة» من بطولة السندريللا سعاد حسني والموسيقار والمغني محرم فؤاد ومن إخراج هنري بركات وقصة عبدالرحمن الخميسي وانتاج جمال الليثي في العام 1959 من أبرز الأفلام العربية التي يتألق فيها الناي.

يعكس الفيلم حكاية رومانسية تختزل عادات وتقاليد المجتمع المصري وقتذاك، وقد كانت البطولة في الفيلم جنباً إلى جنب مع أبطاله ـ كانت للناي ـ الذي وصل رسالة العشق والهوى وحكى حكاية حب بالنغمات..

ويعتبر فيلم «حسن ونعيمة» خير توظيف لإمكانيات نغمات الناي ويعتبره بعض النقاد من المحدثين بأنه يحاكي إسطورة الحب «روميو وجولييت».

«والناي على الشط غنى»، هكذا أبدعت سيدة الغناء العربي في أغنيتها الشهيرة «شمس الأصيل»، وربما من هنا يكون الناي ليس فقط تاريخاً بدأ على ضفاف النيل وإنما هو رحلة الإنسان المصري والعربي في ملحمة تاريخية فنية لم تجرؤ أي آلة موسيقية أخرى ان تحتل هذه المكانة.. فالناي والإنسان سيظلان دائماً وجهان لعملة واحدة.. العشق والهوى.. والأنين والشوق والعودة للوطن والأهل.

والفرق الغنائية الشعبية يلعب الناي فيها دور البطولة المطلقة، عندما يتراقص الجواد العربي الأصيل على نغمات الناي التي تمتزج بطلقات الرصاص في الهواء في احتفالية الأفراح الشعبية في الريف المصري.

وتجرأ الناي على الدخول إلى فنادق السبع نجوم، في الاحتفالات المختلفة وأفراح النخبة، فيختلط صوته بصوت الوتريات، فتزداد النغمات ثراء ومساساً بقلب الناس، حتى وإن كانوا «نخبة»، فالمشاعر الإنسانية تتجاوز كل المسحيات، وتقف عند أعتاب الفن الأصيل، فن الناي والمزمار، فن العشق والجمال.

وفي اليابان للناي حضور خاص جداً، فالحديث عن الناي وأنغامه الرائعة التي لا توظف للترفيه والتسلية على نحو ما يستخدم الناي في تقاليد فنية موسيقية في الشرق ومناطق أخرى من العالم، ولا يستخدم أيضاً في محاكاة الطبيعة وتقليدها.

ويرجع ذلك إلى أن الناي الياباني يستخدم أساساً لخدمة أغراض التجسيد الدرامي، حيث أطل ضمن الآلات الموسيقية الأخرى التي نشأت في المعابد اليابانية لتعبر عن أفكار فلسفية في مقدمتها فكرة زوال العالم وتناهيه، وطابعه المتغير دائماً.

ومن هنا لا يدهشنا أن النغم الصادر عن الناي الياباني قد يبدو في بعض الأحيان حاداً وصادماً لأنه يستهدف توصيل فكرة تناقضات العالم وطابعه الزائل أكثر من أي شيء آخر ـ وهو ـ في اليابان ـ أبعد ما يكون عن فكرة مداعبة المشاعر والحواس، وبالتالي فإنه يبقى بعيداً عن التسلية بمعناها الفج والمباشر.

واذا كان الناي شكل الوجدان الموسيقي الشرقي للمصريين بصفة خاصة والشرقيين بصفة عامة، فإنه لا يخلو أي تخت موسيقي شرقي منه، فنغماته ضبط للإيقاع الموسيقي كله جنباً إلى جنب مع آلة العود والوتريات والبيانو، فيكون كل ذلك نغمات متداخلة لا تلتقطها سوى آذان غاية في الحساسية لا يفهمها سوى كل مرهف في مشاعره، يحرك أوتار قلبه جماليات النغم الأصيل.

منى مدكور