«إن الرسم قد يكون مبعثا للتسلية أكثر من العمل بمجال الإعلان. فلماذا إذن لا تتم ممارسة الرسم بنفس الحماس وبنفس القوّة»؟ صاحب هذا القول هو الرسام الأميركي جيمس روزنكست. و«مايكل لوبيل «الأخصائي بتاريخ الفن الحديث والمعاصر يكرس له عمله الجديد باعتباره أحد رموز الـ «بوب آرت» في أميركا.

والكتاب، فضلا عن أنه يهتم بالسيرة الذاتية للرسام الأميركي الشهير، فإنه يؤرخ بالأحرى لـ «فن البوب» في أميركا خلال سنوات الستينات وتداخلاته مع السياسة ومع تاريخ المجتمع الأميركي خلال تلك الفترة، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب.

وجيمس روزنكست من مواليد عام 1933، درس الفن في مدرسة مينيابوليس للفن ثم في جامعة مينيزوتا ليقيم بعد ذلك في نيويورك ويساهم مع عدد من الرسّامين والفنانين الآخرين بولادة «فن البوب». ويشير المؤلف إلى أن ممارسة جيمس روزنكست للعمل في ميدان الإعلان عبر رسومات جرى تعليقها على لوحات شوارع نيويورك الكبرى، كانت أكثر فائدة له من كل التكوين الأكاديمي الذي تلقاه في المدارس المختصة والجامعات.

واحتفظ في أعماله الفنية الشهيرة اللاحقة بالكثير من آثار فن الإعلان من صور بسيطة وكبيرة الحجم وأسلوب العمل وحس اللون، الخ. وتتميز لوحاته باستخدام الألوان القوية، الصارخة وبمساحات من البياض. وفي نهايات عقد الستينات شارك في الأبحاث الخاصة بميدان الـ «بوب آرت» أو «فن البوب».

ويشير المؤلف أيضا أن الانتشار الشعبي لهذا الفن قد تمّ عبر «الفرع الأميركي» وأصبح بفضله تيارا فنيا يقوم على أساس شجب نزعة الاستهلاك الكبير لكل شيء وتقديم الفن على أنه مجرد سلعة مخصصة للاستهلاك وبالتالي «مؤقتة وتُرمى بعد استهلاكها وقليلة الثمن».

وتعبير «البوب آرت» جاء عبر اختزال تعبير «بيوبل آرت»، أي الفن الشعبي. وكان التعبير الجديد قد جرى استخدامه للمرّة الأولى في بريطانيا. إن أفضل ما يمثل تلك الحركة يجده المؤلف في اهتمامها بدور مجتمع الاستهلاك وما يولّده من تشويه في السلوك اليومي للبشر. وانطلاقا من هذا المبدأ ركز فنانون أميركيون على تأثير الدعايات والمجلات والتلفزة على قرارات المستهلكين.

وجدت حركة «البوب آرت» ترحيبا كبيرا فيها منذ البداية، بسبب بساطتها وسهولة فهمها. ثم إن الأدوات والعناصر التي كان فنانو حركة «البوب» يستخدمونها، إنما كانت على الأغلب من المنتوجات الجديدة للمجتمع الاستهلاكي مثل البلاستيك والأكريليك أما الألوان فقد جرى اختيارها حيّة وصارخة بالقياس إلى الواقع.

ثم لجأ فنانو البوب إلى استخدام تقنيات جديدة في الرسم لم تكن معتبرة من تقنيات عالم الفن، ولكن من عالم الصناعة. وضرب روّاد الحركة بعرض الحائط تلك الفكرة السائدة القائلة أن العمل الفني يأخذ قيمته الكبرى من كون أنه فريد، هكذا لجؤوا إلى إنتاج، وإعادة إنتاج، مئات بل آلاف النسخ من نفس العمل.

وبنفس التوجه نحو نزع صفة «القداسة» عن الفن عالج فنانو «البوب آرت» مواضيع عامّة وعادية أو ذات علاقة بالرموز الشعبية، هذا على خلاف ما كانت تنادي فيه النخب بضرورة أن يعالج الفن مواضيع «هامّة». ضمن مثل ذلك السياق أصبحت «الثقافة الإعلانية» السائدة في مجتمع الاستهلاك مصدرا هاما من مصادر «إلهام» فناني «البوب» الذين لجؤوا أحيانا إلى محاكاة «فن» الرسوم المتحركة.

ويؤكد المؤلف على أن جيمس روزنكست قد تأثر كثيرا بواقع أنه كان «رسّاما إعلانيا» فجاءت لوحاته كبيرة الحجم بلغ طول أحدها 26 مترا مع أنه اعتبرها كلها بعض «أجزاء الواقع». وليس غريبا أن تحتوي لوحاته بعض ما كان قد استخدمه للترويج الدعائي للسجائر أو السيارات أو حتى للمشروبات الروحية. لكن هذا لا يمنع واقع أن روزنكست قد قدّم عددا من اللوحات المستوحاة من الأحداث السياسية الكبرى التي شهدها عقد الستينات مثل اغتيال الرئيس جون كندي وحرب الفيتنام.

ومن ميزات هذا الكتاب الأساسية هناك جمعه بين البعد الأرشيفي والتحليل الاجتماعي-التاريخي للحقبة التي جرى فيها إنجاز الرسومات المعنية. وانطلاقا من تلك الأعمال تتم محاولة «إعادة تعريف» دور الفن خلال سنوات الستينات المنصرمة. وتساعد التحليلات المقدّمة في فهم الطريقة التي استخدم فيها جيمس روزنكست وجيله من الفنانين مفاهيم مجتمع الاستهلاك ومنتجاته لتوصيل «رسالتهم» إلى أوسع شريحة ممكنة من الناس، وبحث في ثقافة الاستهلاك في المجتمع الأميركي الحديث.

الكتاب: جيمس روزنكست: فن «البوب» والسياسات والتاريخ في عقد الستينات

تأليف: مايكل لوبيل

الناشر: جامعة كاليفورنيا كاليفورنيا 2009

الصفحات: 232 صفحة

القطع: المتوسط

James Rosenquist: pop art, politics and history in the 1960

Michael Lobel

University of California California 2009

232P.