«أهلي»، هذا هو عنوان آخر عمل للكاتب والإعلامي الفرنسي الشهير «جان دانييل»، و«أهله» الذين يعنيهم، أفراد أسرته، يحملون أسماء ألبير كامو واندريه جيد وفرانسوا مورياك وجان بول سارتر وريمون آرون وميشال فوكو وشارل ديغول وونستون تشرشل... والقائمة أيضا طويلة.

يكتب جان دانييل في مطلع هذا العمل الجديد: «إن حاجتي للحديث عن بعض أولئك الذين أضاؤوا حياتي تضغط علي منذ أن اكتشفت أنهم يشغلون ليلي. هكذا نعمت بإمكانية أن أعيش من جديد وسط أولئك الذين رحلوا وأخذوا برحيلهم بعضا من ذاتي وهاهم يعيدونها لي من جديد. إنهم يرافقونني. وأعتمد عليهم كي أواجه الفراغ الكبير الذي جعلني يتيما محروما من كل حماية.

هكذا تمثل حاجة العيش معهم من جديد نعمة واعترافا بالجميل. ولعلّنا نعرف الكلمة الجميلة التي قالها ذات يوم بابلو بيكاسو وجاء فيها: في اليوم الذي سيرحل فيه أحدنا لن يجد الآخر من يتحدث معه عن بعض الأشياء».

هذه الجملة الطويلة الجميلة تعبّر بشكل رائع عن الذهنية الكامنة وراء كتابة هذا العمل بما فيه من شحنة حنين كبرى للحظات ولبشر كان المؤلف قد عاشها وعايش أولئك الذين ما كان لها أن تكون بدونهم. ولا يتردد المؤلف في القول إنه «عبر الكتابة عن بعض أولئك الذين كان لهم شأن في حياتي وجدت الوسيلة لمتابعة الحوار معهم.

وهنا بالتحديد يكمن طموح عنوان كتابي، فهؤلاء إذا كانوا من المشاهير ومن المغمورين، أو إذا كانوا من الخصوم النبيهين أكثر مما هم من الأصدقاء، قد جعلوا مني ما أنا عليه الآن. وهكذا تبنّيتهم جميعا بمثابة أهلي».

لعل من أهم ميزات هذا الكتاب أن قارئه، ومهما كانت مواقعه ومشاربه، يجد فيه شأنا من ذاته. فجان دانييل الذي يكتب ليس هو الصحفي، رغم الأسلوب الصحفي الراقي الذي يكتب فيه، وليس الخبير بشؤون اليسار الفرنسي، رغم أن الكثير ممن يتحدث عنهم، و«معهم» هم من رموز هذا اليسار، وليس الخبير بقضايا الشرق الأوسط، رغم أن هذه القضايا لم تكن غائبة عن العديد من علاقاته الشخصية، إنه بالأحرى جان دانييل الإنسان والكاتب المرهف والصديق الذي يعيد أولئك الذين رحلوا إلى واجهة مسرح اهتمامه إنهم «الراحلون ؟ الحاضرون».

لقد جمعهم جان دانييل كلهم في إطار واحد ليحكي عن مكامن إعجابه بهم. ولكن بنفس الوقت يتحدث في الواقع عن نفسه، وكأنه يكتب نوعا من السيرة الذاتية. الناقد القديم «سان بوف» كتب ذات يوم: «قل لي من هم الذين يثيرون إعجابك وسأقول لك من أنت».

وما يقوله جان دانييل «مواربة» في هذا الكتاب هو أن أولئك الذين يحتلون الصفحات الأولى ليسوا بالضرورة هم الذين يستحقون الاهتمام الأكبر. هذا لا يمنع أن بعض أولئك المشاهير قد صاغوا إلى حد كبير شخصية المؤلف، كما يقول بصراحة ووضوح. وعلى رأس هؤلاء «البير كامو»، صاحب رواية «الغريب»، أحد أكثر الأعمال الروائية انتشارا في العالم، والذي تعلّم منه درسا كبيرا مأخوذا من مقولته: «أنا أتمرّد، إذن أنا موجود».

وهذا الكتاب زاخر «من الجلد إلى الجلد»، كما يقال، بالمشاعر والعواطف الإنسانية ولكن أيضا الآراء في الأدب والفن. وهذا ما يبدو بوضوح في الصفحات - الفصل- المكرّسة للرسام هنري ماتيس، الذي كان هو الآخر من عشّاق الجزائر». نقرأ: «كانت لدي فكرة قديمة تقول إن سر الألوان المتوسطية يكمن في ذلك الحوار الذي لا ينقطع بين الضوء والحرارة». ومثل هذا الحوار وجده جان دانييل في أعمال ماتيس بكل ما فيها من ألوان «حارّة» و«المتآلفة» بنفس الوقت رغم «الخصومة» الأبدية بين الضوء والحرارة.

ولكن جان دانييل لا يعود إلى «الحوار» مع المشاهير. ولكنه يستحضر من جديد أمه، تلك المرأة البسيطة التي يبدي حيالها قدرا لا نهاية له من الاحترام والاعتزاز، وأيضا يجد القارئ صفحات عن «مارسيل دوميرك» أستاذ جان دانييل عندما كان طالبا في المدرسة الثانوية والذي كان هو الذي فتح أمامه أبواب الاهتمام بقضاء لم تزل شاغله الشاغل حتى الآن.

وصورة أخرى هي لذلك الشاب «فيسنت» الذي كان يعيش في بلدة «البليدة» الجزائرية وانخرط في صفوف الجمهوريين أثناء الحرب الأهلية الاسبانية حيث قضى وعمره 17 سنة فقط. وعبر شخصية هذا الشاب يعود المؤلف للحديث عن ذكريات الحروب والمجابهات وما تتركه من جراح في الأعماق الإنسانية. ويدعو جان دانييل في نفس السياق إلى «ثقافة السلام».

بالإجمال يقدم جان دانييل في هذا الكتاب 43 شخصية، يدعوهم بـ «أهلي». ومن خلال آرائه حيالهم وما يقوله عن علاقاته معهم، إنما يرسم بنفس الوقت ملامح شخصيته، أو على الأقل كما يريد أن يراها الآخرون. كذلك ومن خلال رسم صورة هؤلاء «الأهل» يقدّم المؤلف لوحة فيها الكثير من «الألوان الحية» على شاكلة أعمال هنري ماتيس، لما يزيد عن نصف قرن من الزمن.

ما يؤكده جان دانييل على مدى صفحات هذا الكتاب هو أنه ظل وفيا لما كتبه في افتتاحيته الأولى بمجلة «نوفيل اوبسرفاتور» التي أسسها عام 1964، وجاء فيه: «إن عدوي الداخلي الأول هو التزمت».

الكتاب: أهلي

تأليف: جان دانييل

الناشر: غراسيه باريس 2009

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

Les miens

Jean Daniel

Grasset - Paris- 2009

063 P.