يتم الحديث كثيرا في أوروبا اليوم عن دور الشرطة في المجتمع وهل تمثل جهاز قمع أم جهاز أمن يسهر على راحة المواطن؟ وفي سبيل الإجابة على هذا السؤال جرى في شهر مارس من عام 2007 تنظيم ندوة دولية في جامعة «كون»، في منطقة النورماندي الفرنسية، ضمّت 41 باحثا وأستاذا جامعيا وعالم اجتماع.
وما توصلت إليه تلك الندوة من نتائج وما قدّمته من آراء جرى جمعه في كتاب «مهنة الشرطة، الشرطي في أوروبا من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين». تجدر الإشارة إلى أن 18 مساهمة من مجموع ال41 التي تضمّنها هذا الكتاب تعود لباحثين فرنسيين والمساهمات الأخرى لباحثين من البلدان الأوروبية الأخرى.تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة أقسام. يعنى الأول منها ب«أجهزة الشرطة ومؤسساتها» حيث يتم الحديث عن مدى «التنوّع» الكبير في هذه الأجهزة خاصة في ظل ما يسمّى بـ «النظام القديم»، أي ما قبل النظام الجمهوري. وفي «جمهورية جنيف» كانت النخب السياسية هي التي تتولّى اختيار وتكوين رجال الشرطة وتميّزت «دوقية ميلانو» بإيطاليا في تكليف الشرطة بتنفيذ القرارات التي تصدرها المحاكم.
وأشارت بعض المساهمات إلى منظومة الشرطة التي سادت في اسطنبول منذ القرن الثامن عشر حيث كانت مهمة المحافظة على الأمن موزعة بين أجهزة الأمن والأعيان الدينيين.
وكان لا بد من انتظار القرن التاسع عشر والقرن العشرين كي يبدأ ظهور مؤسسات حقيقية للشرطة في بلدان أوروبية عديدة مثل رومانيا واليونان. بالمقابل عرفت هولندا مسارا «مشوشا» من حيث تطور أجهزة شرطتها. وينتهي القسم الأول بمداخلة عن «الشرطة البلدية» في فرنسا. وما يؤكد عليه «دومينيك كاليفا»، صاحب المساهمة، هو أنه يتم غالبا نسيان حقيقة أن الشرطة البلدية كانت هي المسؤولة عن تطبيق النظام والمحافظة على الأمن طيلة القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. أما إلحاق أجهزة الشرطة الفرنسية بالدولة فقد جرى مع حكومة فيشي عام 1942.
ويبحث القسم الثاني في «آليات توظيف وتطور المسار المهني لرجال الشرطة». وتتناول مساهمات هذا القسم عدة جوانب من المسار التاريخي لوظيفة رجال الشرطة في بلدان أوروبية مختلفة.
ويتم التركيز على القول أن المعنيين كانوا أحيانا «ضحايا الواجب» كما عرفت فرنسا خلال النصف الأول من القرن العشرين أو أنهم، أي رجال الشرطة، قد لجأوا إلى استقالات جماعية مثلما تشير مساهمة خاصة بالشرطة البريطانية.
ويتم تكريس إحدى مساهمات هذا القسم كتبها الباحث «ايمانويل بلانشار» للتحقيق حول «الجذور الاستعمارية» لعمليات القمع البوليسي الدموي الذي مارسته الشرطة الفرنسية ضد الجزائريين المقيمين في فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية حرب التحرير الجزائرية واستقلال الجزائر عام 1962.
وتحت عنوان «معارف وكفاءات» تدرس مساهمات القسم الثالث وزن الكفاءات الناتجة عن التجربة العملية والممارسات اليومية وذلك بالمقارنة مع وزن التأهيل التقني المحصّل عبر التكوين النظري. وهذا ما يعني المقارنة بين التكوين الأوّلى السابق لممارسة المهنة والتكوين «المستمر» عبر التجربة نفسها.
هكذا كانت ألمانيا قد شهدت خلال سنوات 1750-1850 وضع ما سُمي بـ «علوم الشرطة» في عداد العلوم الإنسانية. وكانت الشرطة الفرنسية هي أول منظومة بوليسية لجأت إلى «التخصص» في قطاعات. كما تركّز إحدى مساهمات هذا الكتاب على عملية تحديث الشرطة العثمانية على غرار النموذج الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر.
وتنضوي مساهمات القسم الرابع تحت عنوان «فن التأقلم الجيّد». ويتمثل الخط الناظم لهذه المساهمات في التأكيد على «المرونة» كسمة ملازمة لفعالية أجهزة الشرطة. تدرس إحدى المساهمات شخصية «بيير شينون»، مفوّض الشرطة، في حي متحف اللوفر بباريس خلال العقود الأربعة التي سبقت قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 وحيث كان حي الباستيل «الحسّاس» يقع في دائرة عمله.
وكانت ورقته الكبرى التي جعلت منه مثالا لرجل الشرطة الناجح هي في الاحترام الذي حظي فيه من قبل أهالي الحي والثقة التي أولتها له السلطات العامّة.
يتم التأكيد في هذا السياق على التداخل الكبير بين تطور مفهوم العمل وبين التحولات الاجتماعية الكبرى، الحالية التي تمثل هذا التداخل تحددها إحدى المساهمات في الفترة التي عاشتها أوروبا بين انهيار جدار برلين عام 1989 ونهاية القرن الماضي «العشرين».
والقسم الخامس مكرّس لدراسة العلاقة بين «المظهر والانتماء». وتتم هنا دراسة دلالات ورهانات ارتداء الشرطة لـ «لباس موحّد» كتعبير عن تمثيلها للقانون وسلطته. وكان النصف الأول من القرن التاسع عشر قد شهد التخلّي تدريجيا عن لجوء رجال الشرطة إلى إخفاء شخصيتهم والانتقال إلى «إبراز وجه الدولة» مع ما رافق ذلك مع تدنّي الفعالية.
«رجال الشرطة في زمن الأزمات»، هذا هو عنوان القسم السادس والأخير من الكتاب، وتتم دراسة هذا المظهر في سياق تطوره التاريخي بحيث تدرس المساهمة الأولى في هذا القسم «حالة الشرطة» في حي القصر الملكي ؟ باليه روايال- بباريس في بداية الثورة الفرنسية.
ودراسات أخرى حول الشرطة البروسية في جمهورية فايمار وأجهزة الشرطة في ايرلندا خلال سنوات 1922-1972 والشرطة الإيطالية في ظل نظام موسوليني الفاشي تبيّن كلها خصوصيات العلاقة بين الشرطة والسلطات العامة. وفي جميع الحالات تتفوّق مصلحة الدولة على المبادئ في عمل الشرطة. المثال الأوضح على مثل هذه الحقيقة يتم تحديدها بممارسة أجهزة الشرطة الفرنسية أثناء حرب الجزائر.
ومثل جميع الكتب التي تحتوي مساهمات عديدة يتميّز هذا العمل بتنوّع المشارب والرهانات والقراءات، وما يشكّل مصدر ثراء ولكن بنفس الوقت اختلاف مستويات البحث. وتبقى محاولة أولى فريدة من نوعها للتأمل حول مهنة الشرطة... والتأريخ لهذه المهنة.
الكتاب: مهنة الشرطة، الشرطة في أوروبا من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين
تأليف: جان مارك بيرليير وآخرون
الناشر: جامعة رين رين 2008
الصفحات: 560 صفحة
القطع: المتوسط
Métiers de police
Jean Marc Berlière et
PU Rennes-Rennes 2008
560P.

