يعد كتاب «تجديد التفكير الديني في الإسلام» للمفكر الباكستاني محمد إقبال واحداً من المحاولات الجادة التي أكدت على أن الدين الإسلامي دين قابل للتجديد ويستطيع مواجهة مشاكل العصر المتزايدة تعقيداً، كما أنه دين قادر على التخلص مما علق به من بدع وخرافات، الأمر الذي يعيدنا إلى الإسلام الصحيح في نقائه الأول ولتحقيق تلك المهمة يخوض محمد إقبال مجموعة من النقاشات ويطرح عددا من القضايا التي تتعلق بطريقة التجربة الدينية، وروح الثقافة الإسلامية، ومبدأ الحركة في بناء الإسلام، وإلى أي حد نحن بحاجة إلى الدين اليوم.

والقضايا التي يناقشها إقبال في كتابه على نوعين: قضايا تتعلق بتبرير الدين عموماً بطريقة عقلية، حيث يستشهد بفلاسفة أوروبيين أمثال: وايتهد وبرغسون وكانط وغيرهم ليؤكد أن الدين أرقى من الفلسفة والشعر لأنه يعتمد على الإيمان، والإيمان وحده هو القادر على التعبير عن الإنسان بوصفه كائنا كليا يحمل العقل والشعور والمبادئ والنفس والحواس.

أما النوع الثاني من القضايا فيتعلق بتجديد التفكير الإسلامي في ضوء مستجدات العصر، إذ يذهب إقبال إلى أن شباب المسلمين يتطلبون توجيهاً جديداً بعقيدتهم يعيد النظر في التفكير الديني في ضوء المنجزات العلمية والفكرية الأوروبية الحديثة. فالكاتب مهتم كثيراً بمواجهة ما يسميه «الدعوة ضد الدين الإسلامي» التي بدأت تجتاح أجيالا كاملة، هذه الأجيال التي وجدت في نظريات العلم المعاصر القدرة على تفسير وفهم العالم تفوق قدرة الدين.

يكُبر محمد إقبال الوعي التاريخي الموجود في الدين الإسلامي، ولعل ابن خلدون خير معبر عن ذلك الوعي. فالإسلام ينفرد بتصور معاصر ينظر إلى أحداث العالم من خلال ترابطها السببي وعلاقاتها الواقعية بحيث يظهر الوجود وكأنه «حركة مستمرة في الزمان»، ويظهر التاريخ بوصفه «حركة جمعية مستمرة». فهذه النزعة الواقعية تشكل لب التاريخ المعاصر. وعلى ذلك فالإسلام يشكل خطوة هامة في تحرير علم التاريخ من سيطرة الخرافات والأساطير والأفكار الحالمة.

فالمشكلة بالنسبة لـ (إقبال) ليس في الدين الإسلامي الذي أكد دائماً على أن الكون والحياة يسودها «التحرك والتغيير»، بل في تطبيق قواعد وتعاليم الدين الإسلامي، هذه التطبيقات التي تنفذ لصالح هذا الزعيم أو ذاك وتلك الفئة أو تلك، وليس لصالح الدين الإسلامي نفسه، الأمر الذي أدى إلى تراجع الدول الإسلامية ودخولها في خلافات سياسية دنيوية وليست دينية.

وينهي (إقبال) كتابه بالتساؤل عن إمكانية تطوير الشريعة الإسلامية، وعن إمكانية أن يستمر الدين في المستقبل. هو القضية الأولى يجيب (إقبال) بالإيجاب لأن الشريعة الإسلامية وما تحمله من قواعد عملية ونظرية نشأة خلال ممارسات عملية طويلة، أصبحت قادرة على التكيف مع كل الأوضاع المستجدة، بل وتستطيع تقديم حلول لمختلف المشاكل التي أصبح العالم كله يعاني منها.

وحول قضية إمكانية أن يستمر الدين في المستقبل، يؤكد إقبال على أن الحياة الدينية تحمل داخلها «نظام» يجب على الفرد والأمة بتمامها أن تخضع لأمره خضوعاً مطلقاً. فالإنسان عليه دائماً أن يخضع ويسلم ثم يتفهم ويعمل العقل، وعندما يفوز بماهية كل شيء.

الكتاب: تجديد التفكير الديني في الإسلام

تأليف: محمد إقبال

الناشر: مركز الناقد الثقافي دمشق 2008

الصفحات: 309 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح