مع صدور الرواية الأولى للروائي التركي أورهان باموق منذ فوزه بجائزة نوبل للأدب «متحف البراءة» وظهورها في طبعات متزامنة مترجمة إلى أكثر من ثلاثين لغة على امتداد العالم، بادرت صحيفة «الزمان» التركية إلى إجراء هذه المقابلة معه.

حيث أوضح الأجواء التي استلهم منها الرواية التي استغرقت عشر سنوات منذ إطلالة نواتها الأولى حتى وصولها إلى أيدي القراء، وأشار إلى أنها تنبع من عشق حقيقي لأحياء بعينها في مدينة اسطنبول، وتطرق إلى تأثير فوزه بالجائزة الأدبية الأكثر شهرة على ممارسته للكتابة وعلاقته بالأدب. وفيما يلي نص الحوار:

دعنا نبدأ أسئلتنا بنهاية رواية «متحف البراءة»، فهي شبيهة بفيلم تركي. وهذه النوعية من الأفلام لها دائماً نهايات سعيدة، ولكن روايتك الجديدة ليست لها مثل هذه النهاية.

لم يكن هذا أمرا مقصوداً، فمن أعظم متعي معايشة الرواية وهي في غمار عملية الكتابة على امتداد خمس أو ست سنوات قبل التفكير في نهايتها، ولكن ما اضطررت إلى القيام به هو جذب هذه الرواية نحو النهاية بطريقة يمكن تصديقها. وأنا أدقق على الدوام بعناية هوية الشخصيات وتصرفاتها في كتبي. ولكن هذه الشخصيات لها استقلال معين خاص بها، والكثير منها يجتذبك بطريقتها الخاصة.

وأنا أكتب مؤلفاتي على مهل، ويرجع هذا إلى أن إبداع شخصية، بطل، وقص هذه الأحداث الخيالية ثم تصديق هذا كله، فيما تحاول الانتهاء من الرواية، هي عملية معايشة للشخصيات كما لو كانت على قيد الوجود والتيقن من أنك تعانق حقاً وتتفهم بعمق نوعية الأشياء التي تقوم بها هذه الشخصية فعلاً. وبعض هذه الأشياء تجيء لنا من قدراتنا الفطرية كأطفال على التقليد، والبعض منها يجيء من معرفة بالأدب.

وما لم يكن بمقدورك استبطان الشخصية الرئيسية للرواية بطريقة مقنعة، وأنا لم أستطع القيام بذلك بسرعة قط، فإن من الصعب بالفعل بدء تأليف رواية، لأن الجميع حول هذه الشخصية يظل غريباً، وإذا قمت باستبطان تلك الشخصية فإنك لن يكون لديك في النهاية أي شيء غير قابل للتصديق يحدث لهذه الشخصية. والآن تصل إلى نهاية الكتاب وتلاحظ أنها ليست نهاية سعيدة وتتساءل: لماذا ليست النهاية سعيدة؟

وهناك أسباب عديدة لهذا، ففي المقام الأول نجد أن قصة الحب التي تنتهي بصورة سعيدة تفارق بالفعل كونها قصة في ذاتها، وثانياً كنت مهتماً بعشق كمال، بطل الرواية، لبطلتها فوزان تماماً كما كنت مهمتاً بحب فوزان له.

ذكرت في الرواية أنك «تريد وصف هذه الأحداث من منظور كمال بك؟»

لكنني أيضا عملت بجد لرؤية فوزان تبرز باعتبارها شخصية. وكان ذلك راجعاً إلى أن اهتمام كمال بأسره كان يمكن أن ينصب على فوزان. ونهاية هذه الرواية ليست سعيدة، ولكن قصة السعادة المتضمنة في الكتاب ليست لها صلة بالنهاية. فهي متعلقة بأعماق المنظور الذي يطل منه على العالم كنتيجة لمشاعره حيال فوزان.

فكرت في هذه الرواية على امتداد عقد من الزمان، فمتى خطرت لك فكرة إنشاء متحف يعكس فكرتها؟.

كان ذلك بالتنسيق مع فكرة الكتاب. وقبل فكرة قصة الحياة هذه كانت فكرة المتحف، ولكن في البداية كانت فكرة المتحف في الموضع الخطأ. وقد طرأت لهذه الفكرة عن دار عاشق فيها أناس، ولكن كل شيء فيها ظل على حاله على نحو ما كان من قبل، كأنما الناس تبددوا بعد سقوط قنبلة نيوترون أو شيء من هذا القبيل. لقد أردتها أن تكون الدار المتواضعة لعائلة من الطبقة المتوسطة.

وفكرت في أنها ينبغي أن تضم كل شيء في موضعه الصحيح. ولكننا في النهاية لم نفعل هذا لأنه كانت هناك مشكلات عدة، وفي النهاية وجدنا الدار التي انتهت بي الحال إلى استخدامها وتحويلها إلى متحف.

ولكن لماذا حي سوقورقوما؟

لقد أحببت على الدوام تلك الأحياء، فتلك هي المناطق من أسطنبول التي كنت أمر بها خلال اصطحاب ابنتي إلى المدرسة. وحتى الآن مازلت أسأل نفسي عن السر في أنني أحبها كل هذا الحب. ربما لأنني أحببت هذه الفترة من حياتي. وكنت أصحب ابنتي إلى المدرسة كل صباح، ثم أسير عبر تلك الشوارع، وأصل إلى المكتب الذي استخدمه للتأليف.

متى سيفتتح هذا المتحف وهل سيكون دائماً؟.

آمل أن يكون جاهزاً للافتتاح في عام 2010، وسأحوله إلى مؤسسة، وإما أن أسلمه إلى وزارة الثقافة أو أشرف عليه بنفسي، لست أدري على وجه الدقة، حيث يتعين عليّ بحث القوانين، وسيكون المتحف مفتوحاً أمام الجميع.

هل ستكون التحف المعروضة مستمدة من الرواية فحسب؟

لا، فكما وصفت في الرواية سيضم المتحف مجموعة كمال بك.

هل تعتزم تأليف رواية حول الولايات المتحدة التي أمضيت بها وقتاً طويلاً؟

لا، لن تكون الولايات المتحدة موضوع كتابي التالي. أنا على يقين من ذلك. فليس بمقدوري كتابة شيء من ذلك القبيل. وأنا أحب تركيا ومرتبط بها. وكذلك مع إيغالي في العمر فإن مشروع كتاب واحد يستغرق عشر سنوات، ولديّ في الوقت الراهن العديد من مشروعات الكتب التي أفكر فيها.

هل تعرف ما الذي ستكتبه بعد ذلك؟

لقد بدأت بالفعل، في حقيقة الأمر، بل انني أعرف عنوان كتابي المقبل، لكن الوقت لايزال مبكراً بالنسبة للكشف عنه.

لاشك في أن الكثير في حياتك قد تغير بعد فوزك بجائزة نوبل للأدب. فهل أنت مسرور بهذه التغيرات؟

بالطبع، أنا مسرور بها. ولكنني بالقطع لا أجلس وأنظر إلى نفسي باعتباري المؤلف الفائز بهذه الجائزة. وعندما كنت في أميركا أيقظتني وكالة للنشر لتبلغني بأنني فزت بالجائزة.

وكان رد فعلي الأولي هو القول: «ليكن، ولكن حياتي لن تتغير بسبب هذا». ولكنني أعتقد أنني كنت على خطأ، لأن حياتي تغيرت بالفعل، أما فيما يتعلق بعاداتي في العمل وصلاتي بالأدب فإنها لم تتغير، وفي حقيقة الأمر أنها توثقت فحسب وفي ذلك الوقت كنت في منتصف مشوار تأليف هذا الكتاب وأردت الانتهاء من انجازه ورؤيته وهو ينشر في التو.

وقد وثقت بأن هذه الرواية ستكون عملاً ناجحاً وحدثت نفسي بأنه من المهم رؤية ما سيحدثه تأثير قراءة هذا العمل لدى الناس، لكنني لم أفقد عاداتي في العمل قط. وعلى سبيل المثال فقد اعتدت القبول بإجراء مقابلات معي حول كل كتاب من كتبي، ولن أغير مثل هذه العادات بسبب حصولي على جائزة نوبل للأدب أو لأي سبب آخر.

عندما فزت بجائزة نوبل لم يقم الرئيس التركي السابق بإصدار بيان يوجه فيه التهنئة لك على الفوز. هل أحسست بالإهانة من جراء ذلك؟

لا، لم يساورني الشعور بذلك، ولم أشعر بالحزن حيال ما حدث، فلم تكن هناك حاجة تدعوني لانتظار موافقة من الدولة، ويكفي أن المسؤولين فيها لم يقوموا بإيداعي السجن، وعلى الأقل نجحت في تجنب ذلك.

منى مدكور