لم يكن غريباً أن تحل سينما بقامة السينما الإيطالية ضيفا كريما على مهرجان دبي السينمائي في دورته الخامسة، التي سلطت الضوء على بلد رائد وعريق في صناعة السينما، فلطالما كانت إيطاليا وجهة لعشاق الفن السابع، رغم قسوة مؤسسة الرقابة هناك، التي عاث مقصها تقطيعا في الكثير من الأعمال السينمائية المحلية والعالمية، واقع أفسح في المجال أمام هجرة ظاهرة السينما إلى الشمال، فكانت هوليوود كما هي عليه الآن، متربعة على عرش السينما العالمية.

وضع موقع المؤسسة السينمائية في مدينة بولونيا الإيطالية بين يدي مستخدمي شبكة الإنترنت 130 ألف وثيقة رقابية سينمائية في إيطاليا، التي تبين أن العائلة، السياسة والجنس من أكثر المواضيع التي أزعجت الرقباء الإيطاليين، الفاشيون منهم والجمهوريون على حد سواء.

قانون رقابة الإنتاج السينمائي في إيطاليا نافذ منذ عام 1913، ولم يتوقف عن القيام بدوره حتى عندما سيطر نظام موسولوني الفاشي على البلاد، لا بل انه لاقى ترحيبا كبيرا في هذه الفترة من التاريخ المعاصر لإيطاليا، والأدهى من ذلك كله يكمن في أن الجمهورية التي جاءت بعد الحرب قد ورثت القانون نفسه كذلك.

ولقد مر تحت مظلة هذا القانون أكثر من 100 ألف عمل سينمائي، وشجع أفلاما ووقف في وجه أخرى دخلت التاريخ من أوسع أبوابه وعلى رأسها فيلم «التانغو الأخير في باريس»، ولم ينج من بين مخالبه عباقرة السينما الأجنبية على غرار إيرنست لوبيتسش أو فريتز لانغ طالما أن الحديث يدور حول الرقابة السينمائية، ذلك السلوك، الذي يسمى باللغة البيروقراطية وبجرعات عالية من حسن التعبير «مراجعة سينمائية».

نشاط استباقي مفروض بالقانون وتراه المؤسسة الرسمية ضروريا لوصول أي منتج سينمائي إلى دور العرض وتقوم على تنفيذه دائما لجان استشارية معروفة باسم «آد-هوك» الموجودة في كافة دول العالم تقريبا.آلية قد غيرت، على مدار قرن تقريبا، وجهة آلاف الأفلام، ولهذا السبب بالذات، يشكل أرشيف السينما في إيطاليا، وفي أي بلد آخر على الإطلاق، تراثا فريدا من نوعه، أو لنقل كنز حقيقي.

الآن وبعد مرور كل ذلك الوقت ولأول مرة في التاريخ، أصبح ذلك الكنز الثمين متاحا أمام الجمهور العريض من عامة الناس، والفضل في رؤية ذلك الاستحقاق النور فيعود للموقع الإلكتروني «إيتاليا تاغليا»، الذي يعد القاعدة الأولى للبيانات الكاملة الخاصة بهذا الموضوع.

ولقد عرف في حفل الافتتاح الذي تم، مؤخرا، في مؤسسة «بولونيا» السينمائية أن هذه الخدمة الإلكترونية تضمن للمستخدم الوصول إلى الوثائق الخاصة بالمعاملات التي تعين على كل فيلم تم عرضه في إيطاليا اتباعها حتى يتمكن من الحصول على رضا الرقباء وبالتالي عرضه للجمهور كما هو أو بعد اقتطاع أجزاء منه أو حتى عدم السماح بعرضه على الإطلاق.

لكن الوثائق المتاحة حتى هذه اللحظة لا تغطي سوى الفترة الواقعة بين عامي 1913 و1943، في حين لا بد من بذل المزيد من الجهود للوصول إلى عام 2000، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه في المستقبل ستكون متاحة على الشبكة، بالإضافة إلى الأوراق والمعاملات، الأجزاء المقتطعة و«الفوتوغراماس» التي تمت مراجعتها، حيث تم العثور على من 2500 مقطع من 130 ألف عنوان.

لذلك، فإن ذلك الأرشيف يشكل تراثا ثمينا ليس لتاريخ السينما فحسب وإنما للعادات والتقاليد السائدة أيضا، ذلك أن عمل مؤسسة الرقابة يقوم، في الوقت نفسه، بدور الشاهد الأمين على حالات التعتيم والإخراس في بلد ما. فإذا قمنا بتحليل ثلاثية «الديكاميرون» لبيير باولو بازوليني، فإننا سنصل إلى استنتاج بأن كاتبها كان أحد أهم المؤلفين الخارقين.

لكن الأمر ليس كذلك عندما يتعلق الأمر بالفيلم الذي تم انتاجه عام 1971 والمستوحى من عمل لجيوفاني بوكاكيو، والذي ترى الرقابة أن «بعض مقاطعه- حسب الوثيقة- ذات طابع شهواني إلى حد كبير، وهي مليئة بالبذاءة والفحش والفساد، بيد أنه يلاحظ، بعيدا عن الابتذال التقليدي للمخرج، أن الفيلم يتحرك عمليا في المستوى الفني».

في نهاية المطاف، يمكن القول إن الرقباء تحمسوا، بطريقة أو اخرى، للتعرف على قيمة الأعمال السينمائية، التي كانت تعرض للذين تزيد أعمارهم عن الثامنة عشر فقط ويصل طولها إلى 58 مترا من المقاطع المصورة على ما مجموعة 2634 مترا من طول الفيلم.

بعد ذلك بوقت قصير طرأت حالة تحولت إلى مدرسة، تلك الحالة تمثلت في فيلم «التانغو الأخير في باريس» لبيرناندو بيترولوتشي، الذي وصل إلى دور العرض عام 1972 وسرعان ما فعل مقص الرقيب فعله فيه إلى درجة منعه من العرض. لكن ذلك القرار بقي بلا تأثير عقب القرار الصادر عن القضاء، لكن بعد أن كانت الرقابة قد أتت على 94 مترا من الفيلم نفسه، الذي لم تر نسخته الكاملة النور في إيطاليا إلا سنة 1987.

وعلى الرغم من أن رد الفعل كان متوقعا، إلا أن الفيلم الكوميدي«توتو وكارولينا» لماري مونشيلي بدا أكثر حظا. كان عقد الخمسينات والرجل القوي لتلك الحقبة الزمنية، الوزير ماريو سيلبا، حكم عليه بأنه فيلم «غير مقبول» وخطيئته، كما يوضح،أنه «يهاجم رجال الشرطة والطبقة الكهنوتية»، وهذا نوع من الإطراء الساخر للتيارات الشيوعية.

ومن هنا جاءت المجزرة التي تعرض لها الفيلم، الذي خسر 31 مشهدا في 200 متر منه. ولم يختلف مستقبل فيلم «الشاطئ» لألبرتو لاتواد، الذي ظهر عام 1954، كثيرا عن سابقه، حيث شطب منه سلسلة كاملة من المشاهد بسبب تقاليد عادية تمارس في الحمام.

في الخطوط العريضة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي أكثر البراهين التي أزعجت الرقباء. آنا فياكاريني، مسؤولة الأرشيف السينمائي في مؤسسة بولونيا،لا تتردد في القول إن «القائمين على تلك المراجعات كانوا منشدين بشكل خاص إلى المواضيع التي تشير إلى العائلة والتي تدافع عن تلك المؤسسة الاجتماعية، الأمر الذي جعلهم ينظرون شزرا دائما إلى المغامرات التي تخاض خارج العلاقة الزوجية الرسمية،على غرار العلاقات الغرامية والحالات المماثلة»، كما توضح المتخصصة آخذة في الاعتبار الحضور المادي والسياسي لمؤسسة الفاتيكان في إيطاليا.

بين تلك الأرشيفات لا وجود إلا للأفلام الإيطالية، لكن هناك أعمالا سينمائية عظيمة أخرى واجهت صعوبات عند عرضها كذلك، على غرار «ميتروبوليس»، رائعة فريتز لانغ(1927). الرقباء طلبوا آنذاك بألا يتحول المشهد الشهير، الذي يضم لقطات لعمال يؤدون عملهم ببطء شديد إلى مشهد يميط اللثام عن ظروف عمل العمال.

لكن ما يثير الفضول اكثر وينطوي، في الوقت نفسه، على تناقض صارخ هو موقف الرقباء من فيلم «مدام دي باري»، عمل إرنست لوبيتشن، الذي يروي أحداث الثورة الفرنسية، وهو موضوع كان يشغل رقباء الأفلام كثيرا في إيطاليا.

فلقد وصل بهم الأمر إلى اقتطاع كل فصول الثورة الفرنسية التي تظهر فيها المتاريس والمواجهات بين الحشود والقوات المسلحة، مع أن تلك الفصول تشكل، بكلمات أخرى، قلب الفيلم النابض.

باسل أبو حمدة