يمثل الشاعر فاروق جويدة صوتا من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر، في شعره بساطة وصدق وحب، برع في القصيدة العاطفية والرومانسية بنفس درجة البراعة في القصيدة الوطنية والسياسية، قدم للمكتبة العربية أكثر من 20 كتابا من بينها 14 مجموعة شعرية حملت تجربة لها خصوصيتها، تجاوزت طباعتها العشر طبعات.

وقد فاز مؤخرا بجائزة كفافيس الدولية للشعر التي تمنح للكتاب المصريين واليونانيين وتحمل اسم الشاعر اليوناني البارز قسطنطين كفافي.«مسارات » التقى الشاعر فاروق جويدة وبحث معه شؤون الشعر في مسيرته الإبداعية: كيف كانت البدايات والمؤثرات التي لعبت دورا في تشكيل رؤاك؟أولا عشت طفولة جيدة، كنت شديد الاهتمام بالقراءة والاستماع للمذياع ونسمع ألف ليلة وليلة وغيرها من المسلسلات الإذاعية التي نقشت في وجداننا منذ الطفولة، وعندما انتشر التلفزيون ورأيتها مجسدة على الشاشة كانت مختلفة جداً عما رسمناه في خيالنا لأبطال هذه لمسلسلات حيث أذكر أني كنت شديد الخوف على البطلة من الشرير وعندما شاهدته في التلفزيون كان أقل خوفاً ورعباً مما رسمه خيالي له..

وعندما قال لي أبي أي كتاب تريده أشرت إلى أحد الكتب وكان ديوان المتنبي، فنظر والدي إلى ضاحكاً وقال يبدو أنك ستكون شاعراً، ولم أكن أعرف من المتنبي، ولماذا اخترت هذا الكتاب دون الكتب الموجودة في المكتبة التي تزحز بالكتب الدينية، حيث كان والدي من علماء الأزهر.

في بدايات الكتابة غنيت للحب ثم تمردت عليه فكتبت القصيدة السياسية وتمردت عليها وكتبت في منطقة أوسع وهي المسرح الشعري وبذلك ازدادت تجربتي خصوبة، فعشت في مسرحية الوزير العاشق ضياع الأندلس وضياع القدس، سميت التاريخ وخلعت عليه الواقع واستشرفت من خلاله المستقبل، وفي مسرحية دماء على ستار الكعبة أخرجت الطغاة العرب وما أكثرهم في التاريخ الحديث وأخرجت الحجاج من قبره ونصبت له محاكمة وحاكمت فيها كل الطغاة، وهكذا في مسرحية هولاكو التي ناقشت فيها مسألة دخول هولاكو لبغداد وما يحدث في العالم العربي الآن.

أنا لم أختر كل هذا الطريق ولم أحدد ملامح تجربتي، الإنسان يستطيع أن يضع خططا لحياته العملية والأسرية لكن الإبداع منطقة فيها مجموعة عناصر متداخلة جدا وفيها حرية وجنون وشطط أحيانا وفيها تركيز شديد وفيها في الوقت نفسه عدم حسابات، فأسوأ شيء أن يحدد المبدع خطواته.

برأيك الشعر السياسي والشعر العاطفي أيهما أكثر قدرة على البقاء والعيش؟

الشعر السياسي إذا لم يرتبط بقضايا الإنسان فلن يعيش، والشعر السياسي عندما يرتبط بأحداث وتسجيل لها فلن يدخل أبدا في نطاق تحد الزمن، وأنا أخاف جدا من أحكام الزمن على الفن لأنها أحكام قاسية وعنيفة، ما أكثر الإبداع ولكن ما أقل ما يبقي منه، القصيدة السياسية إذا كانت تمثل روح الإنسان ستبقي وتعيش، وفي رأيي أن الشعر العاطفي يبقي حتى متوسط القيمة منه إذا توافر فيه الصدق، لأن الصدق يقاوم الزمن حتى في أعماق الإنسان نفسه.

أين تقف تجربتك الشعرية الآن بعد هذه الرحلة الطويلة وهذه الأعمال الكثيرة المهمة؟

طول عمري لم أقيم نفسي أبدا، ولا تصورت نفسي شاعرا كبيرا، رغم كل الألقاب التي أطلقت على، وأترك الحكم على تجربتي للزمن، لا يوجد شاعر أخذ حقه في حياته، أنا أعترف إنني أخذت حقي من الناس، من القراء والجماهير التي ارتبطت بي، لكني حتى الآن نقديا أعتقد أنه سيأتي زمن ينصفني أكثر من الزمن، لسببين لأن تجربتي حصل عليها خلاف أيديولوجي وليس خلافا فنيا، يعني الذين لم أقف معهم في خندق فكري واحد رفضوني.

والذين أيضا اختلفت معهم بالنسبة لبعض التيارات الموجودة رفضوني، فكان على أن أغني خارج السرب، ولذا دفعت الثمن، اليسار رفضني لأني لم أخرج من عباءته وبقيت على موقفي ولم أفرط فيه.

والتيارات الدينية رفضتني لأنني كنت أغني للحب ولهذه الأشياء التي تبدو محرمة أحيانا، ربما اتفقوا حول كتاباتي السياسية، لكن تجربتي الإنسانية شعرا لا تزال محل خلاف، هناك رسالة دكتوراه حول أعمالي نوقشت في جامعة بكين، باحثة صينية قدمتها، ما رأيك أنها كانت جرعة من الرضا كافية بالنسبة لي، لكن هناك بعض الكتابات أنصفتني، فلا يمكن أن أنسي ما كتبه عني نقاد كبار مثل رجاء النقاش وخالد محمد خالد وشوقي ضيف ويوسف خليف، حتى في تيارات أخرى كتب عن تجربتي.

وهناك العديد من الرسائل الجامعية التي تناولت أعمالي وصلت إلى 12 رسالة ما بين ماجستير ودكتوراه، حتى المسرح، لكن أتصور أن تقييم تجربتي سيخضع لاعتبارات أخرى ذات يوم، لأنك لا تستطيع أن تنزع الشعر من تجربتي الإنسانية.

لا أعتقد أن هناك شاعرا عربيا في العصر الحديث وصل إلى نسبة مبيعاتي في الكتب، لن أقول لك أغاني ولا تلفزيون، في الكتب، وهذا مكافأة كبيرة بالنسبة لي، كذلك أن أحافظ على أربعة أو خمسة أجيال منذ غنيت في السبعينيات وحتى الآن، ولم أغير لوني ولا جلدي ولا رقصت على الحبال، الناس رأوني في الأول .

كما يرونني الآن، وطال العمر أو قصير كما دخلت فيها سأخرج منها، الشاعر لا ينفصل عن تجربته وعن مواقفه.لا أريد الشهرة، الشهرة أتتني صدفة ولم أسع إليها وحتى وقت قريب كنت أرفض الظهور في التليفزيون حتى لا يعرفني أحد، وكنت أجلس في الفنادق والناس إلى جواري يقرؤون أشعاري ولا يعرفونني، وأشعر بسعادة كبيرة، أنا أريد أن يبقي في الناس ما كتبت وليس ملامحي الشخصية.

تحتفي تجربتك الشعرية بالمرأة، الوطن، الحب، وكل ما من شأنه ترسيخ قيم النبل والانتماء، برأيك لماذا خفت هذا الحس في مجمل التجربة الشعرية المصرية الآن؟

لأن قضايا الوطن تراجعت، كانت هناك قضايا، قضايا الحرية والاستقلال وتحرير الأرض والبناء، كان هناك مشروع، الآن نحن مجتمع بلا مشروع، بلا فكر، بلا انتماء، أيّاً كانت السلبيات في التجربة، لا أقول لك إن التجارب القديمة وما حدث فيها كان كله صح، لكن كان هناك شيء ما يربطنا بهذا البلد، العلاقة بالوطن ليست علاقة حب من طرف واحد، ليس هناك شيء اسمه (حب الوطن فرض عليّ) هذا كلام ساذج، نحن نحب الأوطان بقدر ما تعطي وبقدر ما نعطي، علاقة متبادلة، لا تستطيع القول بأن هذا الإحساس لازال موجودا.

وللأسف أصبح إحساسا مزيفا، لأنك تقيم حفلات يغني فيها المطربين وهم يقرؤون الكلام من ورق أمامهم، لم يكلفوا أنفسهم حفظه، فيخطئون أثناء القراءة، يعني الكلمة طالعة من عينه على لسانه على طول، لم تدخل وجدانه، هذا شيء مؤسف.أيضا لغة المال والمصالح أصبحت تسبق أي شيء آخر، تسبق العواطف والانتماء، كثير من الناس في مصر الوطن بالنسبة لهم مجرد فندق، الوطن أصبح الآن مجرد فندق والفنادق غير البيوت، أحيانا أشعر أن بعض المسئولين عندنا يتعاملون مع الوطن كما لو كان سيغادره غدا وهو على حق!!

لكن كان هناك أناس يموتون من أجل هذا الوطن، وهذا هو الفرق بين إنسان يرى الوطن حياة وإنسان أخر يري في الوطن مجرد فندق هو نزيل فيه من آلاف النزلاء.

ولماذا خفت صوت الحب في القصيدة اليوم؟

أنا أعترف أنني من الناس الذين يعملون «بالجو العام » وأن السياسة أخذتني سواء في مقالاتي أو قصائدي، لكن كيف الهروب، المجتمعات تضيع وأمة تسقط وشعوب تنهار وكيانات تهدم، هل أستطيع اليوم أن أقول مرة أخرى (في عينيك عنواني)، الناس تذبح، ولو كان الأمر بيدي لبقيت في حديقة الحب والشعر، لأني عانيت من السياسية، ماذا أخذت من السياسة جلطة في القلب؟

القلب الذي ظل كل هذه السنين يغني للحب انتهي الأمر به في لحظة إلى الإصابة بجلطة، لكني غير نادم، لأن هذه ضرورات تفرضها الحياة، أو ضريبة حب الوطن، والحب أحيانا لابد أن يكون له ثمن فهو لن يبقى مجرد كلام جميل فقط.فإذا كان ضروريا أن ندفع الثمن سندفعه حتى لو كان من قلوبنا.

برأيك هل انتهى زمن الحب وأصبحنا نعيش زمن المال والعنف والتطرف؟

طبعا كل هذه شواهد لقبح الزمن، لكن الحب كقيمة لا يمكن أن ينتهي، مادمت هناك أم فهناك حب، ابتداء بالأم البشرية والأم الحيوانية، لأنك لو ترى المهرة كيف تعامل ابنها وتعرفه من بين مائة حصان صغير، أطلق ابن فرس في قطيع من الخيول، أمه تعرفه بعد مئة عام!!، أنا لي صديق وجد قطط العمارة التي يقطن بها ملأت العمارة بأبنائها، فأخذ الأمهات من مسكنه في مصر الجديدة إلى أول طريق مصر الإسماعيلية وأطلقها، في اليوم التالي وجد هذه القطط مع أولادها، كيف عادوا؟

إنها الأمومة، فالحب لن ينتهي، الفرع عندما يميل على الفرع تشعر أن بينهما علاقة عاطفية، لكن الحب تأثر بضراوة، فكل شيء في الحياة اليوم لم يعد يعطي أي قيمة له فكانت النتيجة ما نراه الآن، التهافت على المال، أفسد العلاقات الاجتماعية، وفكك الأسرة، أنت تقرأ اليوم عن ابن قتل أمه أو أباه، كيف وصل الإنسان إلى هذه الحالة من التوحش، هذه هي القضية.

ما رؤيتك لواقع الشعر العربي الآن؟

أعتقد أن الشعر العربي الآن رغم كل الاحباطات العامة التي يعيشها الإنسان العربي على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي ما زال حتى الآن في موقف متماسك،، برغم كل مظاهر الخلل والتراجع فمازال الشعراء يكتبون الشعر ويحلمون بغد أفضل ويتصورون إنسانا أفضل مما هو عليه الآن، حقيقة قد تبدو الأحداث أكبر من الشعر لكن لا ينبغي أن نتهم الشعراء بالتقصير سواء في التعبير عن هموم هذا العصر أو محاولة غرس بذور جديدة لأحلام جديدة ومستقبل جديد.

الشاعر في سطور

* فاروق جويدة شاعر مصري معاصر ولد عام 1946، وهو من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر، نظم كثيرا من ألوان الشعر ابتداء بالقصيدة العمودية وانتهاء بالمسرح الشعري ، وقدم للمكتبة العربية 20 كتابا من بينها 13 مجموعة شعرية حملت تجربة لها خصوصيتها.

* تخرج في كلية الآداب قسم صحافة عام 1968، وبدأ حياته العملية محررا بالقسم الاقتصادي بالأهرام، ثم سكرتيرا لتحرير الأهرام، وهو حاليا رئيس القسم الثقافي بالأهرام ومدير لتحريرها.

محمد الحمامصي