أحمد بن سلطان بن أحمد بن سعيد بن سليم الفلاسي ولد في دبي أواخر القرن التاسع عشر. من الأسر الشهيرة فيها. برز بين أهله ورفاقه بولعه بالاطلاع والمعرفة، ومتابعة تاريخ المنطقة والأنساب.
وكان من متنوري عصره، متابعاً للأحداث العالمية والعربية. على اتصال تام بالأدباء والمثقفين من خلال الصحف والمجلات والتواصل المباشر مع المثقفين، وثقتها إقامته بالهند فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، والتي استمرت حتى الأربعينيات. حيث درس هناك وعمل مذيعاً بإذاعة عموم الهند. واحتك برواد الحركة الفكرية العرب الذين كانوا يفدون إلى بومباي في تلك الفترة.
شارك في الكتابة الصحافية حيث نشر في الخمسينيات مقالة حول عروبة الخليج بمجلة الشرق الأدنى التي كانت تصدر في قبرص. ردا على مقالة تشكك في عروبة الخليج. ونشرت له مجلة الشباب التي كان يصدرها بالقاهرة الأديب محمد علي الطاهر قصيدة كان قد بعث بها من الهند إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي نشرت سنة 1358هـ ـ 1958م.
بعد عودته إلى دبي في حوالي عام 1947م عمل مع حاكمها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حيث عين ناظراً للجمارك. وقبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة شارك في الاجتماعات التأسيسية التي مهدت لقيام الدولة. ثم عين وزير دولة للشؤون الاقتصادية والمالية بأول حكومة اتحادية. كان ملماً بالتاريخ كما أسلفت فعين رئيساً للجنة التراث والتاريخ حتى وفاته.
له شعر جيد تقليدي المنحى لغته الشعرية متميزة، وقاموسه اللفظي عربي قويم. متمكن من علم العروض والنحو العربي. وقد نظم في الشعر بشقيه الفصيح والنبطي وأجاد فيهما كليهما. كانت وفاته عام 1976م.
أحمد بن سليم في المصادر الأدبية:
ما كتب عن أدباء الإمارات يعد قليلاً جداً مقارنة بما كتب عن أقرانهم بمنطقة الخليج. إذ إن حركة الطبع والنشر بدأت متأخرة، حيث بدأت عام 1958م بمطبعة الرضوان في دبي ثم تلتها المطبعة العمانية عام 1959م أي بعد ستة أشهر من تأسيس الأولى.
ومن خلال ذلك النزر اليسير مما كتب أحاول أن أسجل ما ورد بالمصادر الأدبية عن أديبنا وشاعرنا أحمد بن سليم. ويلاحظ أن معظم من كتبوا اعتمدوا على ما نقله الأديب عبدالله الطائي الذي جمع مادة ما أذاعه عبر إذاعتي الكويت والبحرين في كتابين تناولا تاريخ الأدب في المنطقة، ولقد جاءت معظم الكتابات تحمل الأخطاء ذاتها التي وردت عند الطائي الذي اعتمد في مادته على النقل والرواية من شفاه الآخرين.
وأهم المصادر التي تعرضت لذكر الشاعر ابن سليم هي:
أولاً: مجلة الكويت:
هذه المجلة التي أصدرها المصلح عبدالعزيز الرشيد في دولة الكويت حيث يرد في هذه المجلة الصادرة في حوالي عام 1929 ما يلي:
1ـ في الجزء (7) المجلد الثاني ربيع الأول
قصيدة مرسلة من الأديب الكويتي عبدالله بن علي الصائغ عندما كان مقيماً في إمارة أم القيوين يخاطب فيها الأديب أحمد بن سليم حيث يقول:
يا ليل البعاد يسفح دمعا
فوق خديه تحت جنح الظلام
ذو اغتراب ووحشة واكتئاب
وهموم ولوعة وهيام
قد ألحت عليه بالبعد ظلما
واجتناه حوادث الأيام
أين مني يا بدر وجه محب
هو سؤولي من بين كل الأنام
خذ إليه يا ذا البها الآن مني
ألف شوق وألف ألف سلام
ايه يا أحمد الفضائل يا من
كان قصدي وغايتي ومرامي
وقد صدرت القصيدة بالنص الآتي:
أرسل الشاعر المبدع الفاضل عبدالله بن علي آل صائغ من أم القيوين إحدى بلاد عمان إلى صديقه الفاضل (أديب دبي وشاعرها أحمد بن سلطان بن سليم هذه القصيدة....)
2ـ في الجزء التاسع المجلد (1) الصادر في جمادى الأولى
قصيدة أخرى من الصائغ إلى ابن سليم صدرت بما يلي «قصيدة غراء للأديب الفاضل عبدالله علي آل صانع يستثير بها همة أديب دبي وشاعرها أحمد بن سلطان آل سليم..»
حيث يقول:
الله أكبر آن أن يبدو الذي
يخفي الأديب من الأمور ويكتم
فاجهر بصوتك معلنا بعد الخفا
وأصدع بما يوحي الضمير ويرسم
وانع التخاذل يا ابن سلطان علي
قوم بهم يشقى عمان وينعم
3ـ وعلى لسان سليمان باشا الباروني وهو يخاطب صاحب مجلة الكويت نراه يقول في كتاب بعث به إلى المجلة عندما كان مقيماً في «سمايل» بداخلية عمان: «... السلام عليكم ورحمة الله. أما بعد فما كدت أختم الجزء الثاني من تاريخ الكويت..... وكان صاحب المنة علي في الوقوف عليه صديقي الجليل الأديب الحر الشيخ أحمد بن سلطان الياسي....».
4ـ مقالة حول عمان المجلد الأول الجزء السادس جاء فيها: وقد ألف في تاريخ ذلك القطر عدة مؤلفات تناولت البحث عن حالتها الغابرة، وأخبرنا أديب دبي وشاعرها الفاضل الماجد أحمد بن سلطان آل سليم عن أربعة من تلك المؤلفات....».
ثانياً: كتابات الأديب العماني عبدالله بن محمد الطائي
للطائي كما أسلفنا مقالات إذاعية وصحافية جمعها في كتب تناولت منطقة الخليج للطائي والدراسة، وقد ركز على الأدب فيها.
1ـ دراسات عن الخليج العربي:
ورد في هذا الكتاب مقالة بعنوان «الشاعر أحمد بن سلطان بن سليم» جاء فيها «نحن اليوم مع شاعر تحدث عن وطنه فجسم أمراضه ودعا أبناءه فأجاد في الطريقة، وتكلم عن نفسه فأحسن في الأسلوب... هذا الشاعر هو أحمد بن سلطان بن سليم الرجل الذي تراه فتدرك أنك تواجه شاعراً وتستمع إليه فلا تسمع إلا ذكريات ذلك الشعر» ويقول: «نشأ شاعرنا وحب وطنه يسيطر على قلبه، فما يكاد يسمع بما يسوه عن عمان جميعها حتى يرسل الشعر داعياً ومشجعاً ومبصراً».
2ـ جريدة صوت البحرين:
في العدد الأول من السنة الرابعة الصادر في محرم 1373هـ ضمن محور شعراء من الجزيرة العربية (101) «شاعر دبي» يقول الطائي هنا:
«أنا اليوم لدي رجل يتجاذبني إلى الحديث عنه جانبان أولهما ما أنا بسبيله من شعر وثانيهما ما كان هو بسبيله من نضال.
ولن أطيل الحيرة على نفسي وعليك فإني محدثك عن كلا الجانبين لأن أوضاع الشاعر لا تنفصل عن إنتاجه، بل إن إنتاجه صورة صادقة لحياته ونفسه... وهو من دبي إحدى مشيخات عمان».
3ـ الأدب المعاصر في الخليج العربي:
وهو كتاب قدم فيه الطائي إشارة مقتضبة للإعلام الذين وقف على شعرهم وقد صدر الكتاب بعد قيام دولة الإمارات حيث يقول ضمن عنوان «أعلام الأدب في الإمارات العربية المتحدة» (الشاعر أحمد بن سلطان بن سليم شاعر مجيد ولد في العقد الأول من القرن العشرين في دبي، ونشأ بها وشارك في الدعوة لنهضة المنطقة، وشارك في بناء هذه النهضة....).
ثالثاً: مجلة البعثة (التي أصدرتها البعثة الدراسية للكويت بمصر)
جاء في العدد الثامن الصادر عام 1951 مقالة بعنوان طرف من عمان يقول الكاتب فيها (.... ولقد سمعت من صديقي الأستاذ أحمد بن سلطان بن سليم منذ عدة سنين أنه زار المرحوم عيسى بن صالح الحارثي زعيم الهنائيين في الشرقية من عمان).
رابعاً: تراثنا من الشعر الشعبي:
في هذا السفر العظيم الذي أعده المرحوم حمد بن خليفة بو شهاب حول شعراء الإمارات. يأتي ذكر الشاعر أحمد بن سليم ونماذج من أشعاره حيث يقول عنه: «أحمد بن سلطان بن سليم من دبي.. شاعر وأديب ومؤرخ، ولد في دبي ونشأ فيها.. تلقى العلم على يد كبار علمائها. واشتهر بين أقرانه بالذكاء. فلمع في عالم الشعر والأدب ونظم الشعر بالفصحى والعامية.. ولقد برع في أشعاره النبطية براعة استحوذت على إعجاب العارفين بفنون الشعر وأساليبه).
خامسا: مجلة التربية:
الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العدد الرابع يناير 1980م نشرت مقالة للصحافية الباحثة خيرة الشيباني تحت عنوان الاتجاهات الرئيسة للحركة الشعرية المحلية من جيل الرواد إلى جيل السبعينيات من (1920 ـ 1980) وقد عدت الباحثة الشاعر أحمد بن سليم من فئة الشعراء الرواد المخضرمين.
سادساً: شعراء معاصرون من الخليج والجزيرة العربية:
في عام 1985 أصدر الأديب الدكتور أحمد الجدع كتاباً عن الشعر في الخليج والجزيرة العربية، وكانت مادته مستقاة مما كتبه الطائي. وقد أورد ذكر الشاعر ابن سليم بقوله: «وتمتاز دولة الإمارات العربية المتحدة باهتمامها الشديد بالشعراء وتقديرها لهم، تقديراً جعلها تختارهم لأرفع المناصب في الدولة، فمن هؤلاء الشعراء الذين حظيت بهم مناصب الدولة العالية أحمد بن سلطان بن سليم الذي عمل وزيراً للدولة للشؤون الاقتصادية والمالية...) واكتفى بذلك.
سابعاً: أدباء وأديبات من الخليج العربي:
كتاب أصدره الباحث السعودي عبدالله الشباط جاء في الجزء الأول منه ذكر أدباء الإمارات، ومنهم الشاعر أحمد بن سليم، وهذا كتاب لم يقم مؤلفه بجهد فقد اعتمد على مادة قديمة كتبها الطائي في صوت البحرين وفيها معلومات مغلوطة كثيراً.
ثامناً: تراجم أعلام الخليج:
كتاب أصدره الباحث الأستاذ أبو بكر عبدالله بن محمد بن إبراهيم الشمري وهو من أدباء الإحساء بالمملكة العربية السعودية، وقد صدر الكتاب في جزأين الأول بعنوان «الفهرست المفيد من تراجم أعلام الخليج» وصدر عام 1992م والثاني بعنوان «الملحق المفيد في تراجم أعلام الخليج» وقد ورد اسم أحمد بن سليم في الجزء الأول اعتمد في مادته على الأخطاء ذاتها التي وقع فيها الشباط حيث كان المصدر واحداً وهو الطائي في مقالته بصوت البحرين.
تاسعاً شعراء دولة الإمارات العربية المتحدة ـ دراسة وببلوجرافيا:
كتاب أصدره الدكتور يوسف نوفل وهو أحد الذين أقاموا بالإمارات أستاذاً في جامعة الإمارات. أورد ذكر أحمد بن سليم في أكثر من موضع لعل أهمها ما جاء في صفحة 224 وصفحة 225 عن ذكره لشعراء الاتجاه التقليدي في دولة الإمارات.
حيث يقول: «منهم أحمد بن سلطان بن سليم الذي ولد في العقد الأول من القرن العشرين، ونشأ في دبي، وهاجر إلى الهند سنة 1939م نحو عشر سنوات، ثم استدعاه الشيخ راشد حاكم دبي سنة 1948م ليصبح من الأعلام.... كان شاعراً متمكناً من لغته، على جانب كبير من الثقافة والاطلاع، لكن شعره لم يحفظ كله، وكان على صلة وثيقة بعمان وبشعرائها، في نظرة قومية واعية».
عاشراً: سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية:
يستقصي هذا الكتاب ما نشرته المجلات الكويتية من سير وتراجم أهل الخليج وجاء تحت عنوان «عبدالله بن علي الصانع» ذكر للشاعر أحمد بن سليم حيث يقول: «كان يشعر بالمرارة والألم كلما رأى الخلاف يدب بين حكام هذه البلاد (يعني الصانع) لهذا كان يدعو إلى التعاون ونبذ هذه الخلافات، فبالتآزر والاتحاد سوف تسعد عمان.
وتأخذ مكانها بين الدول، فلنستمع إليه وهو يستثير همة شاعر دبي، ويناديه كي يسعى إلى لم الشعث وإزالة أسباب الخلاف بين أبناء البلاد «ثم يورد نموذجاً من القصيدة التي أشرنا إليها. والمشورة بمجلة الكويت حيث كان الصانع يخاطب الشاعر ابن سليم في قصيدته المسماة «العصر عصر النور».
حادي عشر: الاتجاهات الأساسية للشعر الحديث في دولة الإمارات 1920 ـ 1990م:
هذه الدراسة لنيل شهادة الدكتوراه تقدم بها الباحث نزار أباظة من سوريا صدرت بعد إجازتها في كتاب. حيث يرد ذكر ابن سليم عند ذكره لمدرسة الأصالة في اتجاهات الشعر إذ يقول: «ويذكر أحمد بن سليم بلاده بالخير وهو منفي عنها، بعيداً في الهند، يرى فيها ذكرياته الجميلة، ويعلن أنها أحب بلاد الدنيا عنده، وذلك من خلال قصيدة يرد بها على رسالة صديقه الشيخ سلطان بن صقر القاسمي «ويورد نموذجاً من قصيدته كتاب أتى من طيب الذكر والنجر.
ثم يورد اسمه كذلك وهو يتحدث عن الغزل حيث يقول: «وغزل ابن سليم يأتي أحياناً في مقدمة القائد على عادة القدماء، كقوله يمدح الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم....» ويورد نموذجاً من قصيدته
لا أوحش الله ربع الأنس والغزل
ولا عداه ملث العارض الهطل
ثاني عشر: محاضرة الاستاذ إبراهيم بوملحة (أحمد بن سلطان بن سليم شاعراً وأديباً)
في عام 1988م ألقى الأستاذ إبراهيم بوملحة محاضرة في ندوة الثقافة والعلوم.
تحدث عن الحياة العامة للشاعر أحمد بن سليم من مولده الذي حدده بعام 1910م وتناول دراسته بالكتاتيب والمدرسة الأحمدية بدبي، وعلى العلماء والأدباء الذين يفدون على البلاد. ثم تناول سفره إلى الهند وعمله بإذاعة عموم الهند. وتحدث عن حياته بعد عودته إلى البلاد، وأشعاره وأغراضه ولعل ما كتبه أبو ملحة يعد أوفر مادة وأغناها، حول ابن سليم استفاد منها بعض ممن ذكرناهم سلفاً مثل د. يوسف نوفل، د. نزار أباظة.
ثالث عشر: كتابات عبدالغفار حسين:
للأستاذ الباحث عبدالغفار حسين جهود حثيثة في تراجم الرجال من أدباء وعلماء ومثقفي الإمارات ومتنوريها. ولقد كتب عدة مقالات عن أحمد بن سلطان بن سليم. منها ما كتبه بمجلة الأزمنة التي كانت تصدر بالشارقة ومنها ما كتبه بجريدة الخليج. ولقد تعرض كذلك لعلاقاته بالمثقفين بالداخل والخارج، وتناول شيئاً من شعره بالعرض والتحليل. ويؤسفني بأنه ليس أمامي الآن نصوص ما كتبه لأضمنه هذه الورقة.
شعر ابن سليم:
الشاعر ابن سليم من أولئك الشعراء التقليدين، أو من يطلق عليهم لقب الاتباعيين، الذين يسيرون على نهج الأقدمين في بناء قصيدتهم في المقدمات والمضامين والمعاني، وكذلك القاموس اللغوي.
وهو وإن كان من التقليديين إلا أنه يقرب كثيراً من شعراء عصر النهضة، البارودي ورفاقه، الذين التزموا بالقصيدة التقليدية في المعنى والمبنى، وتجاوزوا في أغراضهم إلى الأغراض المعاصرة لهم والتي تمثل الشغل الشاغل لمجتمعهم. فهو من دعاة النهضة، والمطالبة بالتحرر، وإشاعة روح العصر بالتركيز على التعليم.
مقدمة القصيدة:
أ ـ المقدمة الطللية
يميل الشاعر إلى البدء في قصائده المطولة بذكر الديار وأيام الصفو. وإن كان لا يذكر الدمن الدارسة. فهو في قصيدته «ربع الأنس والغزل» الذي ينهج فيها نهج «لامية العجم» لابن الوردي التي مطلعها
أصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
نراه يقول:
لا أوحش الله ربع الأنس والغزل
ولا عداه ملث العارض الهطل
ولا خلا من قطين السرب آهله
ودام مبتذل اللذات اوالجذل
معاهد قد حفظنا في اليعاد لها
خير الأيادي وعهدا ليس بالغفل
وفي قصيدة النهضة نراه يقول:
ولكنها الأيام والدهر قلب
رغائبها قل وأحداثها تترى
رعى الله أياما رعينا ربيعها
وحيا زمانا ما ألذ وما أمر
ب ـ المقدمة الغزلية:
نرى الشاعر أحياناً يسير على نهج الأقدمين بالغزل بين يدي قصيدته قبل الدخول في الغرض الرئيس. وهذا ما جاء في قصيدة النهضة أيضاً:
لعل أماني القلب معقبة يسرا
فينعم جثمان أبي داؤه يبرا
وينضم شمل الحي من بعد شتة
وتكفى تباريح الهوى مهجتي الحرا
بعيني ظعنا أعجل البين عيسهم
عشية اتوها للبكا عيني العبرا
تولوا فودعت الفؤاد مليحة
من الغيد لما يستطع بعدها صبرا
مهاة سقى ماء الشبيبة عودها
هدى الظعن منها معصم لاح في المسرى
وفي قصيدته «لا أوحش الله» يكون الغزل حاضراً:
خود تجنت على قلبي ففارقني
يوم الوداع ولما أصح من ثمل
لمياه إن خطرت قال النسيم لها
وأحسرة البان من قد ومن ميل
عجزاء إن نهضت قال الهضيم لها
كثبان عالج رفقا بالقنا الذبل
غناء إن نظرت فالظبي في سأم
والبدر إن سفرت لألاء في خجل
المضامين والأغراض:
تحدثنا عن منهج الشاعر وأنه تقليدي المنحى لذا فإن مضامينه تسير في ذات النهج ولو أنه تأثر بما حوله وتناول أغراضاً أخرى.
1 ـ الفخر:
يفاخر الشاعر بأروحته وأهله كما يفاخر بوطنه وأمته ومن ذلك قوله:
وما كنت بالشاكي السئيم لأنني
إلى الجادة السامين والدوحة الكبرى
إلى خير بيت من فلاسا مقرهم
إلى الحسب الأعلى إلى المعشر الاقرى
هم القوم فعالون كل جميلة
كرام المساعي لا بغاة ولا بغرا
تسامي بهم ياس بن عامر مفخرا
فأكرم بهم فرعا وأكرم بها نجرا
وفي قصيدته التي أرسلها من الهند مجاوبا لرسالة بعث بها إليه الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة الأسبق يقول عن بلاده وهو في الغربة:
كتاب أتى من طيّب الذكر والنجر
ربيب الندى خدن المروءة والبر
شممت به عرف السماحة والسخا
وروحا من الاوطان طيبة النشر
ومثّل لي أهلي وقومي وجيرتي
وعهد الهوى الفينان في ميعة العمر
أحب بلاد الله عندي وإن غدت
لقلبي دواعي حبّها مصدر الضرّ
2 ـ الحس القومي:
رغم حب الشاعر لبلاده التي أعتبرها أحب بلاد الله لديه إلا أنه لم ينس قضية العرب الأولى قضية فلسطين حيث يقول:
فلسطين أضحت عرضَ كلٍّ من انتمى
إلى الضاد أهلا للصيانة والستر
فلسطين أضحت مسبرَ العرب في العلا
وفي الدين والدنيا وفي المجد والفخر
يعزّ علينا ما تلاقي من الأذى
ومن عنت الأيام والمحن النكر
وموقفها من موتنا أو حياتنا
جلي القضايا بيننا واضح الأمر
فلا بلغ الأعداء منا بمكرهم
لتفريقنا في شأنها إيّما مكر
3 ـ المديح:
امتدح الشاعر قومه وعشيرته. فإن كان يفاخر بهم فإنما يفاخر بقيم وشمائل لذا تراه في قصيدته (النهضة) يقول:
فهبوا بني العز الرفيع وبادروا
على الفوز والفعل الجميل بكم أحرى
ألا نهضة ياسية يمنية
يزاح بها الهم الذي أوغرا الصدرا
لها آل مكتوم لها آل راشد
لها آل دلموك لها الكنف الأذري
لها النخبة الجلاء من آل حنظل
ذماركمو هل ترتضون به خفرا
ألستم بفضل الله القب عدة
وأكثر أنصارا ودثركموا الاثرا
ويمتدح الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم قائلاً:
اللوذعي الإمام الفرد عدتنا
والسيد البطل ابن السادة الكمل
حامي الذمار عزيز الجار أكرمه
عف الإزار المفدى طاهر الخلل
ولما كانت للشاعر علاقة حميمة مع بلاد عمان ورجالها فإنه يهتم بشأن عمان وأوضاعها، يدعو إلى وحدتها، وإلى نهضتها وإشاعة التعليم فيها، ويقول مادحاً أحد أمرائها الأمير سليمان بن حمير حيث يقول:
لولا سليمان الأمير المجتبى
ما كان عن هذا النوى أغناني
الظيغم القرم الهمام الحُوّل
الحامي حمى الأوطان والجيران
شبل الوغي وربيب أحضان العلى
وفتى الندى والعز والسلطان
شهم رقى أوج المعالي يافعا
فسما على الفرسان والأقران
وافيته طلق المحيا أروعا
حلو الشمائل طيب الأردان
ويمتدح قوم بني حمير:
قوم سوابق مجدهم مأثورة
من قبل ذي يزن وعبد مدان
فهم الأولى قهروا الملوك وأوضحوا
نهج السلوك إلى هدى الرحمان
وهم الكهوف لدى الحتوف فمن بهم
يلجأ أهيب وعاش باطمئنان
شوس غطارفة سراة سادة
صيد جحا جحة أسود طعان
4 ـ النصح والإرشاد:
ينظر الشاعر إلى أحوال أمته فلا يعجبه تفرقها وتمزقها فينادي للعمل على لم الشمل والتعاون. ويتجلى ذلك في خطابه للأمير سليمان بن حمير وهو يدعوه للتواصل مع الأمير عيسى الحارثي. حيث يقول:
إني أعيذك والمروة والتقى
أن يستميلك ذو هوى شيطاني
حاشاك عن هذا الإمام وركنه
عيسى الأمير فأنتما الركنان
وعليكما جُل الرجاء مُعلق
وعليكما يتراجع الحيان
فاستأصلوا الداء العياء بوحدة
الحيين من يَمن ومن عدنان
هذي نصيحة مخلص لا يبتغي
غير القبول بها من الإحسان
وفي قصيدته التي يخاطب فيها العلامة المصلح سليمان الباروني عندما جاء إلى عمان لتولي الإشراف على التعليم نراه يقول:
خلّوا مناقشة في الدين إن عرضت
لم يأتنا نبأ عنها وسلطان
دعوا التباغض واجنوا من عزائمكم
تزكو لكم من خمول الجهل أذهان
إلى أن يقول مخاطبا إياه:
شد المدارس في فيح المدائن كي
تنجاب عنها عمايات وخذلان
واكمل عليها من أرباب العقول كما
يقضي الصلاح وتستوعبه أذهان
5 ـ الغزل:
مر بنا عند ذكر مقدمة القصيدة عند ابن سليم، وتأكيد الغزل فيها على عادة الأقدمين غير أن ثمة قصائد أفردت للغزل كقصيدته المعنونة بـ «هنا لك اختار البعاد» حيث يقول:
بأي فؤاد يا علية أذهب
وأي نعيم بعدكم اتطلب
وأي اصطبار عنكم أستطيعه
وأي اقتدار لي على ما أنكب
سئمت تكاليف النوى وتصادمت
همومي فمنزوح وثاو يؤنب
وقد أورد له الأستاذ إبراهيم بو ملحه مقطوعة غزلية أخرى يقول فيها:
فيا غادة الخدر المنيع ترفقي
وخل بساط الخوف ما بيننا يطوى
لقد طالما كابدت فيك صبابة
وأخفيت حتى عنك ما بي من الأدوا
مخافة أن تقرأ وساوس فكرتي
ويعلم هذا القلب أن به شجوى
6 ـ التهكم:
من ضمن قصائد ابن سليم قصيدة يتهكم فيها على الزمان وما يمنحه من قيمة لمن لا له فضل إلا بما يملكه من مال، ومن لا له علم إلا بقدر ما يظهر به أمام الناس من زي العلماء
قل لمن رام أن يعيش كبيرا
ويعيشن في دبي قريرا
نح عنك الهموم حينا وشمر
وحذار من أن تكون فقيرا
بل غنيا موفقا وهبته
سانحات الجدود مالا وفيرا
وإذا لم تكن بعض أولاء
فلازم تجارة لن تبورا
انتظم في المعممين وسهلُ
أن ترى بينهم زميلا خطيرا
إلبْسَنْ من لبوسهم وتظاهر
بالتقى والعفاف واخف الفجورا
ـ من محاضرة ألقاها بلال البدور في بيت الشعر بدبي
خلال أمسية الرواد بتاريخ 8 مارس 2009
أحمد بن سليم في سطور
ولد الشاعر أحمد بن سلطان بن سليم في دبي عام 1900، اشتهر بين أقرانه وكل من عرفه بتوقد الذهن والفطنة والموهبة التي تفتقت شعراً وأدباً، وهو يعد من أشهر شعراء الإمارات ومن الذين تركوا بَصمَتَهم على المسيرة الثقافية والشعرية، ليس على مستوى الإمارات فحسب، بل على مستوى الخليج العربي.
نظم الشعر بالفصحى والعامية التي كان له، فيها قصب السبق، وقد نال فيها ما نال من استحواذٍ كبير على إعجاب الشعراء والمتذوقين، وتوفي عام 1976.
بلال البدور
