الفيلم في المجمل يتحدث بالصوت والصورة عن رغبات لا تسمَّى، فنحن في المشاهدة نُرفِق بها رغبات لنا، نجري مقارنة صامتة بين المتضمَّن في الفيلم وما هو كامن فينا، ما يتحرك بين السطور في كتابنا النفسي المختلف.

صار الفيلم لصيقاً بحياتنا اليومية، من خلال الصورة التي باتت ترافقنا، اعتماداً على أجهزة الديجيتال المتطورة، وفي أية لحظة. وفي وسع أي منا، إن توفرت فيه صفة ذوقية: فنية ما، أن يصوّر لقطات- مشاهد معينة، ويمثّل دور مؤلّف النص وكاتب السيناريو والمخرج. إن حياتنا اليومية طابقت حياة الفيلم من نواح عدة، صار من السهل حفظها، مع فارق العمومية والخصوصية، فما نصوّره نتحفظ عليه، خلاف الفيلم المصنَّع أصلاً للآخرين!

إنه الفارق بين دور نعجَب به، نخشى من عرضه مصوراً على سوانا، ودور يثيرنا لأنه يصوّر أحياناً ما نعجز حتى عن تسميته، فنكتفي بمتابعته ربما بلذة نحرص على عدم إفشاء سرها، تبعاً لطبيعة علاقتنا بمن حولنا!

لم يعد الفيلم غريباً علينا، إن ألفته المتداولة تتجلى في تطوير أجهزة البث الفضائية في القنوات التي تختص بعرض الأفلام على مدار الساعة بنوعيات متفاوتة وتواجهنا في عقر دارنا وهي تلقننا دروساً لا نهاية محددة لها.

الفيلم مثّل مرحلة رومانسية في حياتنا، إذ إن مشاهدة فيلم ما، كانت تعني التحضير له مسبقاً، وكانت تشكّل ذكرى خاصة في اليوم والساعة والمناسبة، وكان الدخول في « عهدة» الفيلم، نوعاً من الدخول في جلسة تحضير الأرواح، وذلك من خلال حالة الندرة التي جسَّدها الفيلم ذاته (قبل نصف قرن في بلادنا مثلاً).

في المجمل، يظل الفيلم محتفظاً برومانسيته رغم هدر معناها كثيراً، فالرغبة في مشاهدة الفيلم تحفظ لأي منا على الأقل، وبحسب ميوله ودرجة ثقافته، بهامش من التحليق بالخيال، والانتساب إلى عالم المرئي والملوَّن، لأن دفق الصور يوازي نهراً من المشاعر وهو يحفر مجراه في زمن نعتقده عائداً إلينا بنشوة تعمُّ كياننا الجسدي!

الفيلم في المجمل يتحدث بالصوت والصورة عن رغبات لا تسمَّى، فنحن في المشاهدة( وثمة من يستخدم»الفرجة» لإبعاد صفة التفاعل، ولتأكيد المتعة العابرة)، نرفق بها رغبات لنا، نجري مقارنة صامتة بين المتضمَّن في الفيلم وما هو كامن فينا، ما يتحرك بين السطور في كتابنا النفسي المختلف. إن ما لا يسمى يضفي على الفيلم استمرارية.

حيث تفيض رغباتنا على كل تحديد، وما يشغلنا من الفيلم كثيراً، هو ما يعود إلى رغبة ما فينا أكثر من غيرها، تحتل حيّزاً أكبر في حياتنا، وهنا يكمن العمق الجمالي الخاص بالفيلم.

إن التفاعل الفيلمي ليس أكثر من الدخول في مفاوضة غير معلنة ولكنها قائمة، خصوصاً لحظة تكرار المشاهدة. إن فيلماً عالي المستوى يعني تجاوز حدود كثيرة، يعني تأميماً ما لتلك الاستمرارية التي تشدنا إليها، إلى الرومانسية التي لا تفقد رونقها- سحرها مع الزمن لأن ثمة إيقاعاً خاصاً لرغباتنا، من ذات الرغبة الواحدة، نبحث عن ركن صامت يسمّيها لنا.

قديماً كان الحكواتي وصاحب صندوق الدنيا( يا للعبارة الأثيرة الأثيرية) في مقام الفيلم، لكن هذا صار في الامكان اقتناؤه بأسهل الطرق، وصار في وسع أي منا الدخول في العالم الفيلمي أكثر، إنما ليظهر هنا تحول من نوع آخر، هو خطورة فقدان التواصل مع الآخرين:

جماعتنا وبروز الفردية الثقيلة الوطء، خلاف الدخول الجماعي في عالم الفيلم ليكون هناك تفاعل من الخارج، وكأن المعروض يعني الجميع، لتكون الرغبات مقرّبة أكثر فيما بينهم.

مفهوم الأفلمة (لا تؤفلم حالك)، لا زال ساري المفعول لمن يبتعد عن ذاته، أو يتعالى على واقعه، إن الحديث عن ( الفيلم الحقيقي)، هو التجلي بالشخصية الفاعلة والجذابة، كما لو أن صاحبها لا يقوم بدور، إنما يعيشه دونما انقطاع، لتكون الندرة في المشاهدة مرافقة لندرة الحالة التي يمثّلها أي منا، وهذا جائز باستمرار، في وسطه الاجتماعي، وبين أقرانه، أن يكون على تماس مباشر بالآخرين.

فالبطولة الفيلمية ورقية متحركة رغم براعة المتحرّك والمرمَّز فيه أحياناً، أما الحياتية فهي التي تتأرشف في الرؤوس والنفوس، وتلهم صانعي الأفلام على كيفية الاغتراف من حيوات قائمة كهذه، وهنا ينبثق النبع ويتدفق، تكون الرغبات مسماة أكثر، خلاف الفيلم الذي قد يزيّف حالة تنمذجت، ويشوّه الرغبة الراقدة أو الصامتة، من خلال التقزيم أو تسييرها مهدّدة صاحبها بالذات.

أكثر مما تقدم، يكون الفيلم الحي من خلال من نجد أنفسنا إزاءه، معترفين به، على أنه «بطل الفيلم» بجدارة، و»بطلة الفيلم» بجدارة، من خلال مجريات الحياة اليومية، أكثر من ذلك، حين نعيش جماليات الفيلم المفتوح، حيث لا تعود الأدوار بطولية، وما في البطولة من احتكار لاسم على آخر، إلا في حالات خاصة جداً، إنما تغتني الأدوار، وتكون الرغبات أكثر قابلية للتسمية في الانفتاح الحاصل بأكثر من معنى.

وهذا يحتّم على الفيلم القيام بدور آخر، وتحقيق مغريات أخرى، لتكون هناك رومانسيات أخرى، إذ لا بد أن تكون لنا رغبات تظل في حكم اللامسمى. إن نفاذها يعني نهاية حياة، وعظمة صانعي الأفلام كامنة في مخاطبة الرغبات هذه وهي تشد صاحبها إلى الأمام، بقدر ما تثريها، بقدر ما تخرجنا من بوتقتنا البيتوتية، لنلتقي في رحاب ملحمية الصورة الفيلمية أكثر!

إبراهيم محمود