بين الترف والضرورة،يبدو أن المعتقدات الخاطئة السائدة بين الناس، أفرادا وجماعات، تلقي بظلال قاتمة على ميادين شتى من حياة البشر،أحد تلك المعتقدات يتجلى بقوة في التراث الإنساني المادي وغير المادي وسبل فهمه وطرائق التعاطي معه في أنحاء متفرقة من العالم من بينها منطقتنا العربية،فالكثيرون هنا يحصرون العناصر المكونة للتراث في بوتقة الترف والرفاهية ويبقونها حبيسة أدراج النخب الثقافية والمتاحف بعيدا عما تمثله في واقع الأمر، ذلك أنها تشكل جزءا لا يتجزأ من عوامل قوة أي أمة على الأرض، أما في حالة الافتقار للتراث أو تنحيته جانبا.

فإن الأمم تبقى واهنة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، ما يعني أن الضرورة تدخل في صميم النسيج التراثي لأي مجتمع، نسيج إذا أحسن استخدامه، فإنه يرقى إلى مستوى من الفعالية يحاكي إن لم يضاه تلك الأسلحة الفتاكة، التي غالبا ما تلجأ إليها القوى الدولية المفتقرة لمقومات تراث عريق.على هامش الاجتماع شبه الإقليمي للمحافظة على التراث غير المادي وللتعريف بالكنوز البشرية الحية لدول مجلس التعاون الخليجي، الذي انعقد مؤخرا في الشارقة، أجرت صحيفة «البيان» حوارا مع الخبير التراثي أحمد سكونتي الأستاذ الباحث في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، الرباط ـ المغرب، فيما يلي نصه:ماذا عن النتائج العملية لهذا الاجتماع الإقليمي،هل هناك قائمة بعدد من حالات التراث الثقافي غير المادي للإنسانية من العالم العربي أو دول الخليج سترى النور،أم أن النقاشات تقتصر على الجوانب النظرية والبحثية وماذا عن التوجهات المستقبلية لليونسكو التي قد تتضمن مقترحات معينة في هذا الميدان؟

ورشة العمل هذه، التي تعقد في الشارقة، هي جزء من سلسلة من الاجتماعات التي تبرمجها منظمة اليونسكو بالتعاون مع الدول الأعضاء الأطراف في الاتفاقية، أولا لحث الدول على الانخراط في اتفاقية 2003 حول التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وثانيا للتوطئة لانطلاقة أشغال صون التراث الثقافي غير المادي، التي تقوم على أو تنطلق من اجتماعات مثل هذا الاجتماع.وتهدف إلى دراسة منهجية الجرد والحصر والتعريف بغية صون التراث غير المادي للدول الأعضاء في هذه الاتفاقية، وإذا جعلنا هذه العملية تنطلق بنهاية هذا الاجتماع في دول الخليج، فإن ذلك يعد مكسبا كبيرا بالنسبة لنا باتجاه عملية التعريف والحصر وإعداد القوائم الوطنية التي يمكن من خلالها اختيار الأشكال التي تعتبرها الدول مهمة وتستحق التسجيل في قوائم منظمة اليونسكو وإعطاء هذا التراث مكانته على المستوى العالمي.

بالنسبة للنتائج العملية لهذه الورشة، فإنها تتمثل في حث الدول على المصادقة على اتفاقية 2003 للتراث الثقافي غير المادي، ثانيا، الحث على تنفيذ الاتفاقية على المستويات الثلاثة، المؤسسي، أي إنشاء مؤسسات يعهد إليها مهمة صون التراث غير المادي إذا لم تكن موجودة، وضع وسن قوانين وطنية للحفاظ على هذه النوعية من التراث إذا لم تكن موجودة أيضا، ثالثا، توفير الموارد المالية حسب الاستطاعة لتنفيذ عمليات صون التراث الثقافي غير المادي.

بالإضافة إلى ذلك هناك ضرورة إطلاق عمليات الحصر على المستوى الوطني، لأنه لا يمكن أن نصون أو نثمّن شيئا لا نعرفه، لا بد من معرفة هذا التراث وما هو وكيف هو وما هي حالته الصحية، والحديث هنا يمكن أن يكون حول حرف نعرفها آيلة إلى الانقراض ونحاول إعادة إحيائها.

ما هي الآليات التي تربط التراث الوطني لكل بلد باليونسكو؟

الآلية التي تربط بين كل دولة على حدة واليونسكو هي اتفاقية 2003 نفسها شرط أن تكون تلك الدول موقعة عليها، هذا أولا، أما الخطوة الثانية فتتمثل في القيام بحصر العناصر التراثية على المستوى الوطني وتجهيز قوائم الحصر والبحث الميداني وإنشاء بنوك للمعلومات المتعلقة بالتراث غير المادي على مستوى الدول.

ومن ثم ننتقل إلى الخطوة التالية وهي تقديم ترشيحات للتسجيل ضمن قوائم اليونسكو، مع التأكيد على عدم وجود أي تعارض بين أولويات الدول على المستوى الوطني وأولويات اليونسكو على المستوى العالمي، ذلك أن منافع الحصر والجرد والتعريف تصب أولا في المستوى الوطني لتنتقل بعد ذلك إلى المستوى الدولي.

حيث يتم التشاور حول ماهية الأشكال الوطنية التي تعبر عن المستوى الوطني أحسن تعبير والتي يمكن ترشيحها أمام لجنة التراث غير المادي كي يصار إلى تسجيلها واعتمادها في القوائم الدولية وتكون خير معبر وخير سفير لثقافة البلد المعني حول العالم.

ثمة اجتماع للجنة التراث غير المادي التابعة لليونسكو سيعقد في أبوظبي في وقت لاحق من العام الجاري ومن المنتظر أن يقر قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لهذا العام والتي من المتوقع أن تشتمل على رقصة الـ «تانغو».

بالفعل، هذا الاجتماع سيعقد في العاصمة الإماراتية في سبتمبر المقبل وهو الاجتماع الرابع للجنة التراث غير المادي المكونة من 24 دولة وهو اجتماع دوري سنوي وهذه اللجنة هي التي تبت في ملفات الترشيح وهي لجنة مختلطة من الخبراء والإداريين وممثلي الدول من الدبلوماسيين، ولكل دولة أن تقرر مستوى تمثيلها، فهناك دول تنتدب سفراءها وأخرى ترتئي إرسال خبراء في ميدان الثقافة والتراث أو الاثنين معا، لكني لا أعلم إن كانت رقصة التانغو ستشكل جزءا من تلك القائمة من عدمه.

هل تمتلك هذه اللجنة سلطة اتخاذ القرار؟

نعم، اللجنة تتمتع بتلك السلطة، لكن ثمة لجنة أخرى مصغرة من الخبراء درست الملفات في باريس في مايو الماضي ورفعت توصياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اللجنة الموسعة ليست ملزمة بإتباع توصيات اللجنة المصغرة، فمن الممكن أن تقرر أشياء أخرى. واللجنة التي اجتمعت في باريس درست 114 ملف ترشيح، منها، على سبيل المثال، نظام الأكل المتوسطي، الذي اقتدت به اسبانيا والمغرب وإيطاليا واليونان.

ماذا عن التمويل؟ هل المؤسسات الوطنية هي المعنية به أم أنه يمكن أن يكون تمويلا مشتركا؟

قد يأخذ هذا التمويل طابعا تكامليا، فهناك مجالات من اختصاص الدول على المستوى الوطني، وهناك تمويل يمكن الحصول عليه من منظمة اليونسكو عن طريق تقديم ملفات مرتبطة بمشاريع محددة، مثل القيام بورشة عمل مثل هذه، القيام بالتدريب، القيام بالبحث والدراسة والحصر، أبحاث ميدانية، القيام بإنشاء مراكز بحثية أو المساعدة في إنشائها ومراكز تأهيل وتكوين فيما يتعلق بالحرف مثلا، أي أنه يمكن أن يكون تكامل بين التمويل الوطني والتمويل الدولي، الذي يتضمن نوعا من التعاون الدولي، فمنظمة اليونسكو هي منظمة بين حكومية تجمع تمويلات ومساهمات الدول وتعيد توزيعها.

هل فكرة نظام الكنوز البشرية معممة فعلا أم أنكم تحاولون تعميمها لا سيما وأنها فكرة قلما يتم تداولها في العالم العربي؟

يعد نظام الكنوز البشرية من الوسائل الإجرائية لتنفيذ الاتفاقية 2003، وهي من الوسائل التي تمكن على الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي، لأنه يركز على الإنسان، يركز على الاعتراف بحملة التراث غير المادي وتمكينهم من تأهيل وتثمين وتلقين المعارف التي يتوفرون عليها للأجيال المقبلة، هذا هو الأساس، أما بالنسبة للنظام، فإنه في الحقيقة نظام قديم نسبيا بدأ العمل به في مطلع خمسينيات القرن الماضي.

لكن منظمة اليونسكو تبنته عام 1994وأوصت الدول الأعضاء بتبنيه بينما بوشر العمل به في السنوات الأخيرة، حيث هناك دول تعهدت النظام وتعمل به وهناك دول لاتزال في طور التفكير في تبني هذا النظام على المستوى الوطني.

التراث ما بين الضرورة والترف، أين يقف المواطن العربي، الذي يرزح تحت وطأة الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من هذه المعادلة التي قد تبدو له خارج نطاق اهتماماته؟

بصفة عامة، هذا السؤال مطروح في الحقيقة، لكني أظن أن المسألة تتعلق بالتوعية في أوساط المسؤولين في المقام الأول وبين الناس بصورة عامة،إذ لا يوجد وعي حتى في أوساط هؤلاء المسؤولين، هناك إشكالية على صعيد التوعية.

لكن ذلك لا يعنى عدم وجود وعي بأن التراث ليس ترفا، هناك وعي بأن التراث هو وسيلة من وسائل تثبيت الهوية الوطنية أولا مثلما هو وسيلة من وسائل تنويع موارد الاقتصاد الوطني، إذ يمكن أن نلعب على المستويين، أي البعد الاقتصادي للتراث والبعد الثقافي وهما وجهان لعملة واحدة،إذا كان هناك اقتناع بأن التراث هو مخزن لموارد مالية ولمناصب شغل، فإنه لن يصبح، في هذه الحالة غريبا، بالنسبة للمواطن العادي، وهذا هو السبيل لإقناع المواطن بأن التراث يمكن أن يخلق فرص عمل.

هل يمكن أن تتعامل اليونسكو مع التراث الثقافي غير المادي على اعتباره ينتمي إلى العديد من الجماعات البشرية التي لا تستطيع أي منها ادعاء احتكاره لنفسها دون غيرها؟

نعم، وهذه المسألة تبين أن الثقافات تنتمي إلى جماعات كبرى واسعة أكبر من الأقطار، كما تبين، في الوقت نفسه، تجذر الانتماء إلى منطقة محددة، ما يعني الوحدة في التنوع أو التنوع في الوحدة، واعتقد أن هذا هو الدرس الذي يلقنه التراث غير المادي للعاملين في هذا الميدان، ففي الوقت الذي نعي فيه بأننا ننتمي إلى منطقة بعينها، فإننا نعي أننا ننتمي إلى منطقة أوسع أيضا.

هل تملك لجنة التراث العالمية أو اليونسكو أي نوع من السلطة للخروج بأحكام في فض النزاعات على التراث؟

لا، اللجنة لا تملك هذه السلطة وكذلك اليونسكو، لأن هذه المنظمة الدولية تغطي ثلاثة ميادين هي الثقافة والعلوم والتربية.

بما أن اليونسكو هيئة تنتمي إلى الأمم المتحدة، أليس هناك نوع من المراتبية في معالجة القضايا المطروحة على الأولى، ألا توجد قناة رسمية في هذا الميدان تربط بين الهيئتين الدوليتين.

في الحقيقة عندما نتكلم عن لجنة التراث العالمي، فإننا نتكلم عن 21 دولة منتخبة في هذه اللجنة وتمثل العالم بأكمله ومجموع الدول ألأعضاء في اتفاقية التراث العالمية، وهذه الدول هي التي تقرر، في حين تبقى اليونسكو تلعب دور السكرتاريا، لكن تلك الدول هي التي تقرر خاصة إذا كان هناك تجاذبات سياسية وفي هذه الحالة فإن اللجنة تفضل إعادة الملف إلى الدولة المتقدمة بطلب التسجيل في انتظار البت في المعطيات الأخرى غير التراثية المحيطة بالقضية.

وبالنسبة للتراث الثقافي غير المادي،فإن بإمكان عدد من الدول التقدم بتسجيل حالة ما بصورة جماعية.

قد يكون هذا الجانب المشترك في التعاطي مع التراث الإنساني على علاقة بواقع أن هذا التراث لا يعترف بالحدود السياسية وأنه عابر لها كون المشهد السياسي الحالي للدول هو مشهد طارئ على المشهد التراثي؟

هذا صحيح، واتفاقية التراث غير المادي تتضمن إمكانية تقديم ترشيحات عابرة للحدود بين الدول لأن هذه الحدود طارئة على المشهد التراثي.

ميادين التراث غير المادي

المجالات التي يشملها التراث الثقافي غير المادي للإنسانية هي الموسيقى وأشكال الرقص التقليدية، المسرح التقليدي، أشكال التعبير الشفوي كالحكايات والملاحم، المعارف الموروثة المتعلقة بالطبيعة والعالم، والمعارف المرتبطة بالحرف اليدوية، الطقوس والأحداث التخيّلية مثل الكرنفال. فالأمر يتعلق، على وجه العموم، بأشكال التعبير التي تتناقلها الأجيال، وتؤدي دورا مهما داخل الجماعات التي تمارسها، على اعتبار أنها تمد هذه الجماعات شعورا بالاستمرار وبالهوية.

ومن بين الروائع العديدة التي أعلنتها اليونسكو، يمكن أن نخص بالذكر كرنفال الـ «باتوم» المشهورة به مدينة بِرغا (إسبانيا)، الذي أُعلن بين الروائع في عام 2005.

فهو مثال قيِّم، لأن جميع السكان مدعوون إلى المشاركة فيه، حتى الأطفال. فهؤلاء يشاركون مثل الكبار في احتفالاته ولا سيما مسيرة العرض والاستعراض في الشارع، لكن تماثيل الحيوانات تكون عندهم مصغَّرة؛ فيتعلمون هكذا الاقتداء بالكبار ويصيرون بدورهم ناشطين في العمل على إحياء هذا التراث وتعزيزه.رايكس سميتس، مسؤول شعبة التراث غير المادي في اليونسكو.

باسل أبو حمدة