يؤكد جان ميشيل دجيان في كتابه « فانسين، مغامرة الفكر النقدي» أنه من الصعب الحديث عن جامعة فانسين التي أصبحت تسمى اليوم «جامعة سان دونيس» بعد أن انتقلت إلى هذه الضاحية الواقعة في شمال باريس، دون «شحنة من الحنين» إلى تلك السنوات الأولى من حياتها قد عرفت «الفترة الذهبية» مما كان الأميركيون يطلقون عليه عصر «النظرية الفرنسية».
ومن أهم المميزات التي يتم التأكيد عليها في «مغامرة الفكر النقدي» الذي درّسته وروّجت له وأشاعته على صعيد واسع جامعة فانسين، هناك «التنوّع» في الميادين التي اهتمت بها من الفلسفة إلى الفكر والأدب والتاريخ. هكذا كان من المألوف أن تتوزع الدروس فيها على مدى يوم واحد بين حديث الفيلسوف «جان فرانسوا ليوتار» عن «الرغبة الإنسانية» وفلسفتها وتأثيرها في سلوكيات البشر والمفكر «جاك رانسيير» وهو يشرح لطلبته النظريات الماركسية ومفهوم «الجدل» الذي يشكل أحد مقولاتها الأساسية.
وكان عالم الألسنيات الشهير «رولان بارت»، صاحب الشهرة العالمية في هذا الميدان، يعطي الدروس لطلبته بينما كان يشرح لهم الناقد جان بيير ريشار آخر النظريات والآراء حول أدب مارسيل بروست. أما تزفتان تودوروف فقد برع في شرح النظريات الأدبية المقارنة إلى جانب اهتمامه بعرض أفكار عصر التنوير.
وكان من بين أساتذة جامعة فانسين المفكر الأميركي، وعالم الألسنيات هو الآخر، «نعوم تشومسكي» الذي كان «يسحر» جمهور مستمعيه بوضوح الأفكار النقدية التي يقدّمها حيث كان يجمع بين «الحرية والبساطة والإخاء».
ويتم التذكير عبر الحديث من جامعة فانسين بالظروف التي نشأت فيها، أي عام 1969 وفي سياق تلك الأحداث التي كانت فرنسا قد شهدتها في شهر مايو-ايار 1968 والمعروفة بأحداث الطلبة أو «ثورة الطلبة» وكانت فرنسا قد عرفت بعد تلك الأحداث نوعا من «الردّة السياسية» اليمينية حيث فاز اليمين بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية.
كان الهدف من تلك «الجامعة التجريبية» هو إيجاد إطار محدد للتيار الفوضوي «اليسراوي» الذي كان وراء أحداث مايو 1968، وبالتالي إبعاد ذلك التيار عن «الحي اللاتيني» الذي كان خلال تلك الأحداث مسرحا «لمجابهات حقيقية من عناصر الأمن والشرطة وبين المتظاهرين من جموع الطلبة الذين انضم لهم العمال أيضا بعد فترة من اندلاع الاضطرابات. وبنفس الوقت بدا ذلك الإطار كإمكانية للاستفادة من عدد هام من المواهب.
كانت تلك هي الغاية، أو الغايات المتعددة، التي أراد أصحاب القرار جنيها من تأسيس جامعة فانسين. ولكن حسابات البيدر لم تأت مطابقة لحسابات الحقل، كما يقال. ذلك أن فانسين لم تصبح نوعا من «هارفارد» فرنسية، كما أرادت لها السلطات العليا، ولكن بالأحرى غدت مكانا متميّزا لجميع أولئك الذين يمثلون الفكر التحرري «المتطرف» وللمجموعات الراديكالية الصغيرة ذات النزعات الثورية. وبهذا المعنى ساهمت جامعة فانسين بـ «تثوير» الفكر النقدي.
وفي الفريق الأساسي لهيئة أساتذة تلك الجامعة كان ميشيل فوكو على رأس قسم الفلسفة. وكان نجمه آنذاك في صعود مستمر بعد صدور كتابه-الأم: «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي». واختار بين مساعديه الفيلسوف «آلان باديو» الذي يمكن اعتباره اليوم أحد أشهر فيلسوف فرنسي على قيد الحياة، وبالتأكيد هو أحد أشهر الفلاسفة الأوروبيين المعاصرين في الولايات المتحدة الأميركية.
ورفدهم كل من الفلاسفة «ميشيل سير» الأخصائي الكبير في فلسفة العلوم و«ايتيين باليبار» الذي كان الوحيد بينهم من أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسية ذي النجم الصاعد هو الآخر آنذاك. والتحق «جيل ديللوز» بالقطار «وهو يسير» في السنة التالية.
كان التدريس في جامعة فانسين لا يشابه خلال مدة طويلة، ما كانت تنتهجه الجامعات الفرنسية الأخرى. ذلك أن الجامعة فتحت أبوابها لأولئك الذين لم يكونوا قد حصلوا على الشهادة الثانوية.
وكان هناك نظام خاص لمنح «الشهادات»، هذا إلى جانب تأكيد الأساتذة، على غرار رولان بارت الذي قال: «إن تجديد الدراسات العليا للآداب الفرنسية يتم فيها ؟أي الجامعة- بنفس الحزم الذي تعرفه الجامعات التقليدية».
وتتم الإشارة إلى أن مجموعة من «رموز»، ثورة الطلبة في شهر مايو 1968 لم يتعاملوا أبدا مع جامعة فانسين. فعالم النفس الشهير جاك لاكان دخلها مرة واحدة ولم يتردد إليها أبدا بعد ذلك.
لقد قاطعه مستمعوه من الطلبة مرار عندما كان يلقي درسه الأول بل وشتموه ووصفوا المحللين النفسانيين مثله على أنهم «القساوسة الجدد» . ردّ عليهم لاكان بالقول: «أنتم ها في فانسين، تمثّلون ذلك فأنكم تلعبون وظيفة الجزر الصغيرة لهذا النظام». نص «درس» لاكان موجود في هذا الكتاب كاملا.
الكتاب: فانسين، مغامرة الفكر الفرنسي
تأليف: جان ميشيل دجيان وآخرون
الناشر: فلاماريون باريس 2009
الصفحات: 430 صفحة
القطع: المتوسط
Vincennes، l?aventure de la pensée française
Jean-Michel Djian et
Flammarion
Paris 2009
430P.
