تشكل البلدان الثلاثة أي ليتوانيا وليتونيا واستونيا موضوع كتاب « بلدان البلطيق » للصحافي انطوان جاكوب الذي يقيم في منطقة البلطيق منذ سنوات عديدة وأصبح أحد أهم الخبراء الفرنسيين بشؤونها.

وهو يدعو قارئه إلى «رحلة اكتشاف» لبلدان البلطيق، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب المؤلف من 19 فصلا فيها الكثير من المعلومات والحكايات عن المنطقة كما تدل عناوين هذه الفصول مثل «الاستهلاك، الدين الجديد» و«الأغنياء الجدد والفقراء الجدد» و«أن تكون محبا لروسيا في ريغا» و«كيفية اندماج الأقليات» و«ريغا، الفن الجديد» و«العقود المظلمة»، الخ.

تقع بلدان البلطيق على تخوم أوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى. وهذا الموقع الجغرافي والإستراتيجي يجعلها ذات أهمية خاصة بالنسبة للطرفين.

وما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن هذه البلدان يجمعها «مصير مشترك» ولكنها تتباين أيضا فيما بينها إذ لكل منها خصوصياته العميقة التي صاغتها مسيرة تطوره التاريخي ومكوّناته الديموغرافية وعلاقته مع «الجار الروسي» الكبير.

وتتم الإشارة منذ البداية أيضا إلى أن تسمية «بلدان البلطيق» كانت تعني في الأصل بلدين هما «ليتوانيا» و«ليتونيا»، أما ايستونيا فقد طالبت، ولا تزال تطالب، بأن يتم اعتبارها كدولة من دول شمال أوروبا إلى جانب السويد والنرويج.

وكانت هذه البلدان الثلاثة قد شهدت في مسيرتها التاريخية خضوعها إلى عدد من الإمبراطوريات الخارجية بحيث أن فترات الاستقلال في تاريخها كانت «أكثر عبورا» من فترات احتلالها. لكن من خصوصية ليتوانيا أنها وريثة نظام إقطاعي كان قد امتد خلال فترة العصور الوسطى من بحر البلطيق حتى البحر الأسود بينما أن ليتونيا واستونيا لم تشهدا الاستقلال إلا في عام 1918، عند نهاية الحرب العالمية الأولى.

ويولي المؤلف أهمية خاصة لدراسة اقتصاد بلدان البلطيق كي يشير بداية إلى أن مستوى معيشة سكان ليتوانيا وليتونيا واستونيا كان أفضل من جميع الجمهوريات السوفييتية الأخرى، عندما كانت جمهوريات اشتراكية. لكن مستوى المعيشة انخفض كثيرا خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت انهيار سور برلين في شهر نوفمبر-تشرين الثاني من عام 1989 وحتى أواسط سنوات التسعينات.

ووصلت نسبة ذلك الانخفاض كما يدل إجمالي الإنتاج الداخلي للفرد إلى أكثر من 28 بالمائة في استونيا وأكثر من 46 بالمائة في ليتونيا وحوالي 58 بالمائة في ليتوانيا. كذلك سجّلت البلدان الثلاثة مستوى متدنيا في إجمالي إنتاجها الداخلي بالقياس إلى دول الاتحاد الأوروبي عام 2004.

ويرى المؤلف أن حقبة السيطرة الروسية على بلدان البلطيق تركت آثارا عميقة على مجمل مظاهر الحياة فيها حتى الحقبة الحاضرة.

وكانت قد خضعت لنفوذ الاتحاد السوفييتي اعتبارا من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1944 عندما قرر ستالين اجتياحها ردا على اجتياح الجيوش النازية لبولندة بشكل خاص. وظلّت بلدان البلطيق الثلاثة جمهوريات سوفييتية منذئذ وحتى تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. لكن الغرب ثابر في اعتبار بلدان بلطيق ك«دول تحت الاحتلال» السوفييتي طيلة فترة السيطرة الروسية.

وكانت المؤشرات الأولى لحركات الاحتجاج ضد الهيمنة السوفييتية قد ظهرت في فترة «الإصلاحات والشفافية» التي انتهجها ميخائيل غورباتشوف منذ أواسط عقد الثمانينات. وترافقت أشكال النقد للسلطة المركزية في موسكو بالمطالبة بالاستقلال والتأكيد على أن السيطرة السوفييتية لم تكن شرعية منذ الأصل.

ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى تلك السلسلة البشرية التي تشابكت فيها أيدي الليتوانيين والليتونيين والاستونيين ذات يوم من صيف 1989 وضمت عشرات الآلاف انطلاقا من مدينة «تاليت» وحتى «فيلنيوس» ومرورا ب«ريغا»، أي المدن الرئيسية في البلدان الثلاثة، وبطول 250 كيلومترا للاحتجاج على الاتفاق الجرماني-الروسي الذي جرى بموجبه ضمّها للاتحاد السوفييتي قبل 50 سنة وللمطالبة بالاستقلال.

وبعد فترة انتقالية، ما بين سقوط جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، عرفت بلدان البلطيق خلالها أعمال عنف كثيرة وصلت إلى حد المجابهات المسلحة مع قوات الأمن السوفييتية، جرى تنظيم عمليات استفتاء شعبي حول تقرير المصير حيث اقترع 90 بالمائة من الليتوانيين و77 بالمائة من الاستونيين و73 بالمائة من الليتونيين لصالح الاستقلال.

وما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو أن العلاقات بين روسيا وبلدان البلطيق الثلاثة لا تزال معقّدة في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، خاصة أنه توجد أقليات كبيرة تتحدث اللغة الروسية وتبلغ نسبة هؤلاء في ليتوانيا 6 بالمائة وفي ليتونيا 35 بالمائة وفي استونيا 25 بالمائة.

وبالإجمال يؤكد أنطوان جاكوب من جهة على المصير المشترك «لبلدان البلطيق» التي «دخلت» بنفس الوقت إلى الاتحاد الأوروبي، ومن جهة أخرى على اختلافها من مظاهر عديدة تتعلق باللغة والمكونات السكانية بحيث أن لكل منها هويته الخاصة. ورغم أن هذه البلدان تجذب أعدادا متزايدة من السائحين فإنها لا تزال مجهولة إلى حد كبير.

وكتاب للتعريف بتاريخ بلدان البلطيق وثقافاتها وخصوصياتها والتحديات التي تواجهها ودعوة ل«اكتشافها».

الكتاب : بلدان البلطيق

تأليف: انطوان جاكوب

الناشر: لين دو روبير باريس 2009

الصفحات: 210 صفحة

القطع: المتوسط

Les pays baltes

Antoine Jacob

Ligne de Repères Paris 2009

210P.