يقوم دافيد س. رينولدز في كتابه «استيقاظ العملاق» بدراسة التاريخ الأميركي في عهد الرئيس اندرو جاكسون، أي خلال الفترة الواقعة بين «الثورة الأميركية» و«الحرب الأهلية الأميركية» بين الشمال والجنوب في مطلع عقد الستينات من القرن الماضي «العشرين».

والفترة التي يدرسها المؤلف بالتحديد تقع خلال سنوات 1815-1848 وهي فترة من الفوضى التي سبقت نشوب الحرب الأهلية. ويعود المؤلف إلى عام 1812 عندما كانت الحرب الأميركية ضد الاستعمار الانجليزي في ذروتها. وفي ذلك السياق جرى انتخاب اندرو جاكسون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.ويصف المؤلف جاكسون بأنه كان أول رئيس أميركي لا ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، لكنه تميّز من حيث الدور البطولي الذي لعبه ضد البريطانيين في حرب عام 1812 وفي الحرب ضد الهنود «سكان البلاد الأصليين». واشتهر جاكسون أنه لم يكن يولي الثقة للساسة «المحترفين» الذين «لا يخدمون سوى مصالحهم» بل اعتمد دائما على أصدقائه الذين كان قد خبرهم وجرّبهم. وخلال تلك «الفترة الخاصة» من التاريخ الأميركي المعروفة ب«حقبة جاكسون» شهدت الولايات المتحدة ولادة النظام الحزبي الذي تجسّد في تيارين كبيرين لا يزالان يتناوبان على حكم البلاد منذ تلك الفترة.

جرى انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ وأصبح حاكما لولاية فلوريدا عام 1821. وترشح للانتخابات الرئاسية عام 1828 بأغلبية كبيرة. وكان أول رئيس من أبناء الطبقات الشعبية يتم انتخابه عن طريق الاقتراع الشعبي العام، وللمرّة الأولى أيضا بعد أن كانت أغلبية حكومات الولايات الأميركية قد تبنّت ذلك.

اشتهر اندرو جاكسون أنه رئيس من الشعب وأن فترته قد شكّلت قطيعة حقيقية مع الحقبة التي لم يكن فيها أي مكان للوصول إلى مناصب الدولة العليا إلا لأبناء النخب. كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن فترة حكمه عرفت نشاطا ثقافيا وفكريا وفنيا كبيرا مما يسمح باستخدام عنوان «استيقاظ العملاق».

لكن هذا لا يمنع من التأكيد أيضا أنها كانت فترة قلقة وأنه رغم القول الشهير للرئيس توماس جيفرسون عام 1801 يوم تنصيبه رئيسا وجاء فيه: «نحن جميعا جمهوريون، وكلنا اتحاديون»، فإنه كان لا يزال هناك الكثير ممن يريدون «تفكيك البلاد»، وحيث لم يكن غرب البلاد وشرقها مرتبطان سوى بـ «خيط رفيع مثل قناة أرييه».

وكانت تلك الفترة قد شهدت ظواهر اجتماعية لم تكن مألوفة من قبل في أميركا مثل حركات تقديم المساعدات للفقراء أو تأمين سبل الرعاية الصحية للمعاقين. وبالتوازي مع ذلك كانت فترة حكم جاكسون، كما يقدمها المؤلف، قد شهدت بدايات ظهور أميركا على المسرح الدولي.

ذلك خاصة أن عدد المهاجرين القادمين من أوروبا كان قد يتعاظم باستمرار بحيث أن عدد القادمين من أوروبا كان قد يتعاظم باستمرار بحيث أن عدد سكان البلاد تضاعف ثلاث مرات عما كان عليه في بداية القرن التاسع عشر. وبرزت آنذاك مقولات مثل اعتبار انتشار الثقافة الأميركية يساهم في رفع مكانة الإنسانية كلها.

ويروي دافيد س. رينولدز الكثير من الحكايات والوقائع «الغريبة أحيانا» التي تعود إلى تلك الفترة مثل بروز ظواهر السحر والعرافة، بل ادّعى العديد آنذاك أنهم على علاقة بقوى «عليا» تتواصل معهم مباشرة وكان من بين الخرافات التي شاعت بقوة أن السيد المسيح سيعود ما بين شهر مارس-آذار 1843 ومارس-آذار 1944. ما يشير إليه المؤلف هو أن العديد من الأفكار السائدة في المجتمع الأميركي اليوم تجد جذورها في تلك الفترة.

لكن بالمقابل يتم التأكيد أيضا أنها قد شهدت نقاشات مستفيضة حول الأسعار والسياسات النقدية والبنك المركزي، إلى جانب الجدل الثقافي بين تيارات عديدة على خلفية حالة الاضطراب التي سادت، بشكل لا سابق له، بين عام 1815 وعام 1848. وبهذا المعنى كان للحركات الاجتماعية والثقافية تأثير كبير على المسار السياسي نفسه. وكانت محصلة ذلك كله الوصول إلى نوع من «إعادة تعريف مفهوم» الرئاسة في ظل اندرو جاكسون ومساهمته مع الفريق الذي كان بجانبه في تدعيم موقف البلاد دوليا.

ويدرس دافيد س. رينولدز الجدل حول مسألة «العبودية» التي كانت أحد أسباب نشوب الحرب الأهلية الأميركية الحرب الانفصالية- بين الشمال والجنوب لاحقا، لكن المؤلف يؤكد أن فترة جاكسون عرفت وجود العديد من الإصلاحيين والمطالبين بالاعتدال ودعاة إلغاء العبودية الذين ناضلوا جميعهم من أجل تصحيح الآفات الاجتماعية التي كانت تعبث بالمجتمع الأميركي. وفي تلك الفترة يحدد المؤلف وجود الجذور الفكرية والسياسية لبعض كبار كتّاب وفناني أميركا من رالف ايمرسون وادغار آلان بو وحتى توماس كول.

الكتاب: استيقاظ العملاق، أميركا في عصر جاكسون

تأليف: دافيد س. رينولدز

الناشر: هاربر نيويورك 2009

الصفحات: 480 صفحة

القطع: المتوسط

Waking giant America in the age of Jackson

David S. Reynolds

Harper - N. Y 2009

480P.