عرف المسار الأوروبي «الإمبراطوري» الصاعد منعطفا حادا اعتبارا من الحرب العالمية الثانية. فاعتبارا من هذه الحرب بدأت مسيرة «انحطاط الإمبراطورية»، كما جاء في عنوان الكتاب الذي قدمه «جان فرانسوا سوسبيل»، الخبير الفرنسي بالعلاقات الدولية.
وكان موضوع «انحطاط» الإمبراطوريات قد أثار «شهية» عدد من الباحثين. ففي عام 2002 قدّم الباحث الإستراتيجي الفرنسي ايمانويل تود كتابا عن «انهيار الإمبراطورية الفرنسية»، وذلك عندما كانت تبدو في أوج قوتها وبما تكذبه وقائع التاريخ التالية. وكان هو نفسه قد «راهن» عام 1976 على الانهيار القريب ل»الإمبراطورية السوفييتية».وكان ايمانويل «تود» قد ربط انهيار الإمبراطورية الأميركية بولادة عالم جديد متعدد الأقطاب بحيث تلعب فيه أوروبا دورا هاما. وسار في نفس المنحى المفكر الأميركي جيريمي ريفكين عندما دافع عن مقولة «الحلم الأوروبي» الذي سوف يحل محل «الحلم الأميركي».الباحث الفرنسي «جان فرانسوا سوسبيل» يذهب في الاتجاه المعاكس لمقولات الصعود الأوروبي كي يؤكد بالأحرى على «انحطاط» إمبراطورية القارة القديمة.
إنه يؤكد على أن أوروبا لم تعد منذ الحرب العالمية الثانية سوى «قزم سياسي»، وأنها خاضعة منذئذ لوصاية الولايات المتحدة الأميركية، ذلك أن القوتين الإمبراطوريتين الأوروبيتين، أي بريطانيا وفرنسا قد خرجتا، رغم أنها قد كانتا في معسكر المنتصرين، مهمّشتين اقتصاديا من تلك الحرب وكان نهوضهما مرهونا بمشروع «مارشال» للمساعدات القادمة من أميركا.
ومن المؤشرات المهمة التي يؤكد عليها المؤلف للتدليل على انحطاط الإمبراطورية الأوروبية واقع افتقار القارّة إلى منظومة دفاعية أوروبية حقيقية، بل إنها أصبحت تابعة في هذا الميدان ل»الحماية» الأميركية ثم إن أوروبا التي يبلغ عدد سكان قاطنيها حوالي 500 مليون نسمة، وهي «الإمبراطورية» الأكثر ثراءً وغنيً في العالم لا تمتلك في الواقع جيشا يدافع عنها، ولكن مجموعة من الجيوش التي تفتقر واقعيا إلى الحد الأدنى من التنسيق فيما بينها.
وليس من أقل دلالات «انحطاط الإمبراطورية الأوروبية» أن الاتحاد الأوروبي الذي يشكّل التعبير الواقعي لهذه الإمبراطورية لا يمتلك إلى أية حدود ثابتة فهو في حالة توسع ليس من المعروف إلى أين سوف تنتهي. هذا إلى جانب ما ظاهرة شيخوخة السكان في أوروبا، إذ تدل التقديرات أنه في أفق عام 2060 سيكون هناك أوروبي من أصل كل ثلاثة أوروبيين يزيد عمره عن 65 سنة.
ويرى المؤلف أحد نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي، الذي يجده نوعا من الميل الضمني نحو بناء «إمبراطورية أوروبية»، تتمثل في كون أن مسيرة التوحيد قد ركّزت بشكل حصري منذ البداية على المسائل الاقتصادية المهمة بالتأكيد ولكنها أهملت غيرها.
لقد أقامت «أوروبا التجّار» بدلا من التركيز على «أوروبا الخلاّقة، المبدعة ثم أنها أهملت المشاريع المتوسطة والصغيرة «المجدّدة» لتركز على «المجموعات» الكبرى «التي تخشى من التجديد».
ومن المقولات التي يذكرها المؤلف قوله أن «الثنائي الفرنسي-الألماني» الذي كان قد «اخترعه» الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، لا يجد ما يجسّده في الواقع، ذلك أن هناك ما يسمح بالتفكير أن ألمانيا تريد السيطرة على الاتحاد الأوروبي وتحقق عبر ذلك «ما كانت حربان عالميتان» لم تنجحا في تحقيقه. هذا في الوقت الذي لا تحسن فيه فرنسا الدفاع عن مواقعها.
وفي المحصلة يبدو بوضوح أن المؤلف متشائم إلى حد كبير بالنسبة لمستقبل «الإمبراطورية الأوروبية»، وهو يقصد بوضوح أيضا الحضارة الأوروبية نفسها، وهي التي كانت قد «رفعت رأسها» باستمرار منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر. ويؤكد أن أوروبا قد أصبحت «فريسة سهلة» بسبب ضعفها وتفرّق قوتها.
لكن من الذي سوف يستأثر بها؟. هل الولايات المتحدة التي لا ترى في أوروبا سوى جزءاً من «الغرب المسيحي»؟ أم روسيا أو الهند أو الصين التي تنظر كلها بشهية إلى هذه القارة المزدهرة والضعيفة؟ أم لعل ألمانيا التي تسيطر على الاتحاد الأوروبي تريد استعادة موديل الإمبراطورية الرومانية الجرمانية؟
وهو سوف تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تسريع تكامل بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 أم أنها سوف تزيد من انقساماتها؟ أسئلة كثيرة يجيب عليها المؤلف بالقول أن أوروبا لا تمتلك تماما مصيرها في هذه الفترة من الزوابع القوية.
الكتاب : انحطاط الإمبراطورية الأوروبية
تأليف: جان فرانسوا سوسبييل
الناشر: فيرست باريس 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Le déclin de l'empire européen
Jean-François Susbielle
First Paris 2009
240P.

