تنطلق مجموعة «بين الاغتيالين» للكاتب الهندي أرافند أديجا من الأرضية الواقعية التي غرس فيها روايته الشهيرة «النمر الأبيض» حيث يمضي بنا إلى مدينة كيتور الخيالية في الفترة ما بين اغتيال رئيسة الوزراء الهندية انديرا غاندي في 1984 واغتيال ابنها راجيف في عام 1991.
والمتأمل لقصص هذه المجموعة يمكن أن يلاحظ أنها تعتبر بمثابة الجزء الأول لرواية «النمر الأبيض» التي توجت بالفوز بجائزة بوكر، فالقصص تقوم بأوسع المعاني على أساس برنامج سياحي، فهي تضرب في حياة مجموعة من البراهمة والمسلمين والمسيحيين في الهند.
هكذا يتاح لنا أن نلتقي زيروكس بائع الكتب المطبوعة بالمخالفة لحقوق الملكية الفكرية، الذي لا يكترث بالحقيقة القائلة إنه تعرض لإلقاء القبض عليه إحدى وعشرين مرة، حيث أنه يعتبر وضعه بمثابة خطوة إلى أعلى على درج الحياة مقارنة بعمل أبيه، الذي كان يحترف نقل الفضلات البشرية.
ونحن أيضاً على موعد مع جاياما، وهي الابنة الثامنة من بين تسع بنات، ويتم إرسالها للعمل لأن أباها لديه مال يكفي لتزويج ست بنات فقط من إجمالي بناته التسع، وهكذا فإن مصدر العزاء الوحيد في حياتها يغدو إدمان تنشق مادة الدي. دي. تي.
هكذا فإن الهند التي يقدمها لنا أديجا في مجموعته القصصية الأولى تبدو ساحة هائلة للاختلال الوحشي في الحظوظ والأقدار، حيث تبدو وجبة تتكلف 500 روبية في فندق أوبيروي في مومباي شيئاً يتحدى الخيال لعامل بناء يذهله أن يرى ورقة نقد من فئة 20 روبية.
إنها صورة مروعة للحياة والوجود تلك التي يقدمها لنا أديجا، فكل قصة من قصص المجموعة هي بمثابة مقتطف من دليل لجولة تستغرق أسبوعاً في مدينة كيتور الخيالية التي تقع على الساحل الجنوبي الغربي للهند.
ولطف الدليل السياحي ينهض نقيضاً مباشراً لحياة كيتور المفعمة بالفوضى والوحشية والتخبط، حيث يختلط الهندوسي بالمسلم بالمسيحي والرفيع بالوضيع والغني بالفقير.
وكما في رواية «النمر الأبيض» يشكل غياب العدالة وضراوة الفساد الموضوعين الأكثر أهمية، وبينما تجد قلة من الشخصيات السبيل لرد الضربات التي توجه لها، فإن معظم الشخصيات تقع تحت طائلة السحق اليومي في غمار محاولتها البقاء على قيد الحياة، وهو هدف لا يوجد الحد الأدنى من الضمان لإمكانية تحقيقه.
وعلى الرغم من أننا نلمح يد الكاتب تطل ثقيلة وكلية الحضور في بعض القصص، إلا أن ذلك لن يمنعنا من ملاحظة الثراء المواكب لتخيل مدينة كيتور ذاتها، والبراعة التي نسجت بها شخصيات عديدة على امتداد قصص المجموعة، فلا نملك إلا أن نقف مبهورين حيال المشهد البانورامي الهائل للهند الذي يقدمه لنا أديجا، وذلك على الرغم من وعينا بالعيوب التي تأخذ بخناق هذا المشهد.
وقد انعكس هذا الإعجاب بالمجموعة على صقال المراجعات العديدة التي قدمتها كبرى الصحف العالمية لهذا العمل الجديد من الإبداع الأدبي.
ها هي صحيفة «فايننشال تايمز» تبادر إلى القول عن هذه المجموعة إنها: «مذهلة..
وهي تنطلق بنا إلى أجزاء من الهند نادراً ما سمعنا عنها. وتصوير المؤلف للمدينة الهندية طريف للغاية لكنه مفعم بالغضب على نحو لا سبيل إلى الخطأ بشأنه. والمجموعة تجعلك تواصل التخمين حتى الصفحة الأخيرة، بل وما بعد ذلك».
وتقول صحيفة «غارديان» اللندنية عن المجموعة أيضاً: «هذه المجموعة توضح أن أديجا واحد من أهم الأصوات التي برزت في الهند في السنوات الأخيرة».
وتشير صحيفة «ديلي تلغراف» في مقال مطول كتبه ستيفن أبيل عن هذه المجموعة إلى أنه ربما كان أفضل ملمح فيها أنها بمثابة مونتاج لصور تتحدى النسيان من مدينة حافلة بالحياة والحركة صاغها خيال أديجا، وأوضح فيها بما لا يدع مجالاً للشك أنه موهبة أدبية مهمة وكاتب قادر على الاستحضار بلا مبالغة ومصور حساس لملامح الحياة في الهند الحديثة.
ويقول إد كينج في مقال بصحيفة «صنداي تلغراف» عن هذه المجموعة إن مؤلفها على الرغم من أجندته السياسية الواضحة، والتي لا يعمل على إخفائها، إلا أن كتابته أبعد ما تكون عن الوعظ والتعليم، وتصور باقتدار مدهش الرغبات المتصارعة التي تنتهي مرة بعد أخرى في غمار العنف والجنون والإحباط.
أياً كان الأمر فإننا نظل أمام مجموعة غنية بالتفاصيل المدهشة عن الحياة في مدينة كيتور الهندية، ابتداء من الفقير التعس الذي يجر عربة الريكشو وسط الحر والمطر والزحام مروراً بالصحافي الذي يحاول أن يقدم الحقيقة في صحيفة يدرك أنها طافحة بالأكاذيب،. وليس انتهاء بالقصة المدهشة لنجل أغنى أثرياء المدينة.
ولن يستعصي على القارئ أن يلاحظ أن أديجا يحقق في عشر صفحات من هذه المجموعة مالاً يحققه غيره في مئة صفحة، حيث يقدم لنا على نحو مقنع أشد الإقناع تفاصيل الحياة اليومية في مدينة هندية، بما تزدحم به من رغبة فردية وخيبة أمل وسعي للبقاء على قيد الحياة كهدف مطلق.
وفي أكثر من قصة من قصص هذه المجموعة ينجح المؤلف في أن يضع أيدينا على السؤال الأكثر أهمية، والذي شكل من قبل جوهر روايته «النمر الأبيض»، وهو: أين العدالة في تسلط إنسان على قدر آخر لا لشيء إلا لأن قوة مجهولة كفلت له مصادفة الميلاد حيث ولد؟
وربما كان أعظم ملمح في موهبة أديجا هو أنه يجعلنا نشعر بأن التغيير في هذا الوضع القائم هو أمر ممكن، وأن العدالة تظل هي القيمة العليا تحت أفاق الوجود الإنساني، وأن التخلي عنها يعني إهدار أثمن ما في هذا الوجود على الإطلاق، بل يعني إهدار مبرره ومغزاه وسره الحقيقي.
لكن هذا لا يعني ان الشخصيات التي سنلتقيها في المجموعة هي شخصيات لا تعود عن طموحها إلا بعد ان تسقى بلعاب الشمس، فالكثير من هذه الشخصيات سوف تتعثر في غمار مطاردتها للعدالة عند حافة هوة اليأس أو العبث أو العجز عن الحركة المؤثرة.
وما يلفت النظر في هذه الشخصيات، في كل الأحوال، هو أنها تمتلك شجاعة محاولة التغيير، حتى وإن كان ذلك في ظل نزوع مبدعها إلى الواقعية، وهو ما يجعل تحركها في كثير من الأحيان لا يتجاوز صداماً محبطاً مع النظام كلي الحضور، الذي يهيمن على وجودها ذاته.
مرحباً بالقارئ، إذن، تحت آفاق كيتور الهندية بكل ما تحفل به من امكانيات واحباطات، وأهلاً به في غمار لقائه مع شخصياتها العجيبة، والمدهشة التي تنتمي غالبياتها الكاسحة إلى عالم الفقراء والمسحوقين ولكن عليه في كل الأحوال أن يدرك أنه تحت آفاق نادراً ما اقتحمها الأدب الهندي الحديث.
ربما لهذا على وجه الدقة فإن مجموعة «بين اغتيالين» تظل عملاً جديراً بالقراءة، وتبقى أكثر بكثير من نتاج ثانوي جرى تأليفه على هامش رواية عظيمة.
الكتاب: بين الاغتيالين
تأليف: أرافند أديجا
الناشر: فرى برس لندن 2009
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
Between the
Assassinations
Aravind Adiga
Free Press, London 2009
p align="left">352P.
