يحلل يزيد عيسى السورطي في كتابه الجاد «السلطوية في التربية العربية» مظاهر السلطوية في التربية العربية، فيجدها منتشرة في المجالات التعليمية والإدارية والأكاديمية. ففي المجال التعليمي نعثر على السلطوية في طرائق التدريس إذ تنتشر أساليب التلقين والاستظهار دون أي اهتمام بفهم المضمون واستقراء الموضوع. الأمر الذي انعكس سلباً على شخصية الطلاب وأدى إلى نشوء شخصية انقيادية لاتعرف سوى ترديد مايطلب منها حفظه.

أما السلطوية في الإدارات المدرسية فتتمثل في تحول إدارة المدرسة إلى إدارة شبيهة بإدارة السجن. إذ يعامل الطلاب بطريقة التخويف والتلويح الدائم بالعقاب. كما أن بنية الادارة نفسها تقوم على تسلط المدير على المعلمين وتهرب المعلمين من مسؤولياتهم، الأمر الذي ينعكس سلباً على العملية التعليمية وعلاقة المعلمين بالطلاب، لدرجة أن الطالب يبدأ يشعر بأن المدرسة هي مكان غير مرغوب به، الأمر الذي يقتل النبوغ لدى الطلاب. أما السلطوية في الجامعات فتتمثل بالغياب شبه الكامل للحريات الأكاديمية. فالجامعات غير مستقلة لا مالياً ولا ثقافياً ولاحتى إداريا. والجامعات أصبحت مثلها مثل أي مؤسسة في الدولة، فقدت دورها التنويري والثقافي. فالحريات الأكاديمية المتمثلة بحصول الطالب على الحقيقة أياً كانت وحرية التفكير والتعبير عن الآراء السياسية والدينية، أمور ليس لها أي وجود.

أما أهم عامل يهدد الأمن التربوي العربي فهو الأمية. المؤلف في فتحه لملف الأمية المحزن والمخيف يجد أنها وصلت في بعض مناطق العالم العربي إلى 86%، وأن المؤسسات السياسية غير جادة في مواجهة المشكلة وأن الوضع الاجتماعي التقليدي شجع على الأمية واعتبرها طبيعية، وأن هناك «تمييزاً تربويا» تعاني منه بعض فئات المجتمع العربي ولاسيما الفقراء والنساء والريفيين والبدو، أما النتيجة المباشرة لهذا التمييز فهي الاستغلال والطغيان والظلم الذي يؤدي بدوره إلى زعزعة استقرار المجتمع وهز كيانه وتقويض أركانه.

فالتربية العربية لا تقوم بدورها المفترض في «حماية الكيان الذاتي العربي» وتفعيل نظام القيم العربية التاريخية، وحمايته من أخطار «الغزو الثقافي».

إن كل تلك المشاكل تدفع المؤلف إلى الوقوف على ظاهرة «التسليع التربوي» بوصفها أحدى مظاهر السلطوية في التربوية العربية، حيث تحولت التربية من رسالة سامية إلى سلعة تجارية. فالتربية تشيئت مثلها مثل الإنسان وأصبحت بضاعة استهلاكية تباع وتشترى وتخضع لقانون العرض والطلب، يستطيع البعض الحصول عليها بينما يعجز البعض الآخر عن ذلك.

مظاهر التسليع دفعت يزيد عيسى السورطي للبحث عن أسبابه فوجدها في ثلاثة أسباب: أولها اقتصادي حيث تحولت التربية إلى وسيلة للانتفاع والربح، والثاني ثقافي يتعلق بانعكاس أجواء الثقافة العامة داخل المجتمع على التربية، فانتشار القيم المادية والسطحية والتفكير المنفعي في المجتمع أثر بشكل مباشر على العمل التربوي العربي، أما السبب الثالث فهو سياسي لأن الواقع التربوي هو نتاج للعمل السياسي الذي يضبط التربية ويحدد محتواها ويصوغ أهدافها.

فسيطرة الفئات الموالية للنظام السياسي على الوضع الاجتماعي والتربوي في المجتمع العربي جعل هذه الفئات تحول الفرد العربي إلى مجرد أرقام عليها أن تدور في فلك الحاكم السياسي وتقدم له الولاء والطاعة والربح. إن كل تلك السلبيات أدت بالتربية العربية إلى النبش في الماضي واستحضاره واجتراره ليكون مصدراً للعز والفخار، دون أن تدري أن تلك العودة إلى الماضي هي صورة من صور التسلط التي تضعف العمل والاجتهاد وتحل محلها ثقافة القول غير المسنود بالفعل والشعارات البعيدة عن الواقع وبناء عالم وهمي من البطولات والأمجاد.

إن كتاب «السلطوية في التربية العربية» كتاب عميق وجريء وضع يده على المعضلات الأساسية التي تعاني منها التربية في المجتمع العربي.

الكتاب: السلطوية في التربية العربية

تأليف: د. يزيد عيسى السورطي

الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت 2009

الصفحات: 287 صفحة

القطع: الصغير

رشيد الحاج صالح