قد تنال الحيرة من المرء إذا ما حاول عرض بعض الكتب، من جهة لغزارة ما بها من معلومات، ومن جهة أخرى ضيق حيز التناول.. وكتاب «الفنون البصرية وعبقرية الإدراك» لمؤلفه شاكر عبدالحميد واحد من تلك الكتب. فقد يحسن التوقف أمام بعض التعريفات، أو التماس جانب ما من جوانب الكتاب والتركيز عليه، أو التقاط نتف من هنا ومن هناك بحيث يدرك أغلب الكتاب.. ولعلي سوف الجأ إلى مجمل المحاولات!

فالفنون البصرية كما يقول شاكر عبدالحميد هي تلك الفنون التي تعتمد في إنتاجها على (الرؤية)، وهنا قد يلتبس الأمر عند المتلقي.. فالمسرح والأوبرا والغناء مثل العمارة والتصوير وفن المجسمات، كلها تعتمد على الرؤية.وهو ما دفع الكاتب للتفرقة بين «فنون الأداء» والفنون البصرية.. لأن فن المسرح وحلقات الرقص والغناء أمام المجموعات وغيرها تعتمد على الكلمة والصوت والحركة أساساً، لذا لا تعد من الفنون البصرية. بينما فنون التشكيل والمجسمات والعمارة تعتمد على الرؤية أساساً، إذن فهي فنون بصرية. تتعدد الفنون البصرية في أشكالها: الرسم، التصوير الملون، المجسمات، العمارة، التصوير الفوتوغرافي أو بالكاميرا، والتصوير الفوتوغرافي في السينما.

وقد رصد الكاتب بعض الصور المرفقة للتدليل على ما قاله من تعريفات بنماذج: لوحة.. (شجرة حمراء للفنان موندريان) ومجسم.. (المفكر للفنان رودان)، (الخماسين للفنان محمود مختار) و(التحدي للفنان سامي محمد) وفي العمارة نماذج عديدة منها (مبنى شلال مائي- تصميم فرانك رايت)، (مركز بومبيدو في باريس)، (بيت في القرية- تصميم حسن فتحي).. وغيرها.

وفى البحث عن علاقة المكونات البصرية وإدراكها، كان التناول التأريخى للإدراك، حيث يرى شاكر عبدالحميد الرجوع إلى بدايات تطور العقل البشرى. فالإنسان كان يرى قبل أن يتعلم أو يعرف الكلام أو يكتشف اللغة والأبجدية، لذا كانت المحاكاة البصرية هي محاولته الأولى للتعبير عن صراعه مع الطبيعة.

على جدران الكهوف في «التاميرا» باستراليا، وفي غيرها، رسم الإنسان الأول الحيوانات التي كانت ضمن أعدائه، وقيدها على جدران الكهف بالرسم. فكانت الإرهاصة الأولى للإنسان في فنون الرسم والسرد وتسجيل التاريخ.

يعتبر الحيز المكاني مهماً في الحياة، فهو هكذا مهم في اللوحة، ويجيء بعد الملمس.. ودوماً الزمان والمكان متفاعلان، لذا يجيء (الزمان) بعد المكان.. حتى اقترح البعض ربطهما بمصطلح واحد (الزمكانى).. ويتم التعبير عن الزمان في الفنون الدرامية بتسلسل الأحداث، بينما في فنون التشكيل قد يعبر عنه في المجسم الحركي، أو يكون متضمناً في اللوحة كما لوحات الرحلات.

وان كانت (الحركة) في الرقص هي فن مكاني وزماني، ففي الفن التشكيلي، تكون الحركة بتكرار الخط والشكل. وتجيء (الكتلة) باعتبارها عند رجال الفيزياء هي مقياس لوزن، تبدو في الأعمال الفنية معبرة عن الثنائية في الرسم والتصوير داخل المنطقة أو المساحة أو الشكل الخاص بلون.

لقد أدت هذه المعطيات الجديدة حسب الكاتب إلى تطورات مهمة في حياة الإنسان، سواء في مجال التعليم والإعلام وحتى مجال الترفيه والتسلية وغيرها. ذلك وقد استتبعت ببعض التقنيات المتطورة مثل القنوات الفضائية المفتوحة أو المشفرة، التي تخصص بعضها (مثلاً) في عرض الأفلام السينمائية، وبذلك يكتفي الفرد بالبقاء في بيته دون الخروج منه للمشاهدة بدور العرض..

ومع ذلك يلاحظ المتابع أن الفنون البصرية (حسب ما وضح قبلاً) لم تلق الاهتمام الواجب، برصد المعارض أو المؤتمرات أو الندوات التي هي نشطة وفاعلة في أكثر من دولة عربية بشكل جاد، مثل المعارض كل سنتين (البينالي) في بعض الدول العربية (مصر- الإمارات- الكويت- سوريا..).

أما وقد استولى الحاسوب من خلال الانترنت على المتلقي بنسبة كبيرة، من خلال ما يعرضه من مواد ومعلومات وصور.. قال البعض ان الفنون البصرية أدت إلى ظهور تطورات تكنولوجية (مثل التصوير الفوتوغرافي في السينما).. وبالعكس أدت تلك التكنولوجيات إلى تطورات كبيرة في أشكال الرسم والتصوير والمجسمات والعمارة.

ان ظهور الصورة المبتكرة بالحاسوب، وشيوع فن «الكمبيوتر جرافيك»، واستخدامات جديدة من خلال أشعة الليزر.. حتى غلبت ثقافة الصورة. ربما أكثر ما لفت انتباه المتخصص في الفنون التشكيلية، أن تلك الفنون فقدت أبجديتها القديمة، بتأثير فعل العولمة، وهو ما قال به الناقد الفني «مصطفى يحيى».. ومع ذلك ومنذ السبعينات من القرن الماضي، زادت أسعار اللوحة التشكيلية إلى أرقام غير مسبوقة من قبل، وتقدر بالملايين.. لعلها أصبحت العمل اليدوي الوحيد الباقي بين كل الفنون!

الكتاب: الفنون البصرية وعبقرية الإدراك

تأليف: د. شاكر عبدالحميد

الناشر: الهيئة المصرية للكتاب القاهرة 2008

الصفحات: 625 صفحة

القطع: الكبير

السيد نجم