بادر موقع «بوكبراوز» الإلكتروني المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة مع الكاتب الهندي أرافند أديجا، عقب صدور مجموعته القصصية الأولى «بين اغتيالين»، مؤخراً، حيث أشار إلى التداخل والتأثير المتبادل بين قصص هذه المجموعة وبين المجموعة نفسها وروايته الأولى «النمر الأبيض» وأعرب عن اعتقاده بأن أبرز صفات أبطال أعماله أنهم يمنحون المعدمين الهنود الذين يتجاوز عددهم 400 مليون نسمة فرصة التعبير عن معاناتهم وأوجاعهم.

وأشار إلى طبيعة عملية الكتابة كما يمارسها، وتطرق إلى قضية الفساد دائمة الحضور في الحياة العامة الهندية، مشيراً إلى أن الفساد ليس بسبيله إلى الانحسار عن الهند في المستقبل القريب، وهو المستقبل الذي وصفه بأنه يصعب التنبؤ به إلى أبعد الحدود. وفيما يلي نص الحوار:

كتبت جانباً كبيراً من مجموعتك «بين اغتيالين» بينما كنت عاكفاً على تأليف روايتك «النمر الأبيض». فهل تداخلت القصص إحداها مع الأخرى على الإطلاق أو أثرت إحداها على الأخرى؟

نعم، إلى حد كبير. فقد أفرزت رواية «النمر الأبيض» على هامشها قصتين، قمت بفصلهما عن الرواية الأم، ولاحظت أن القصتين تتبادلان التأثير إحداهما في الأخرى في غمار عكوفي على عملية الكتابة، وقد استمر هذا بالنسبة للقصص الأخرى في المجموعة. وقد كانت لدي على الدوام فكرة تأليف كتابين يرتبط أحدهما بالآخر حول عالم الفقراء والمهمشين في الهند، حيث يلاحظ القارئ مدى عمق التأثير المتبادل بين رواية «النمر الأبيض» ومجموعة «بين اغتيالين».

من هم الكتاب الذين أثروا فيك؟ هل تعرف نفسك بصفة خاصة باعتبارك كاتباً هندياً؟

قد يكون له معناه بصورة أكبر الحديث عن تأثيرات على الكتابين الذين قدمتهما، وليس الحديث عن تأثير بالنسبة لي. وأبرز من أثروا في هذين الكتابين هم ثلاثة من الأميركيين ذوي الأصول السوداء المنتمين إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهم على التوالي رالف إيلسون وجيمس بالدوين وريتشارد رايت.

والأمر الغريب هو أنني لم أقرأ أياً منهم منذ سنوات طويلة، فقد قرأت «الرجل الخفي» من تأليف رالف إيلسون في عام 1995 أو عام 1996 ولم أعد إليها منذ ذلك الحين، ولكن بعد أن فرغت من تأليف «النمر الأبيض» كان بوسعي أن أدرك مدى الدين الكبير الذي يطوق به عنقي. وأنا لا أشعر بأنني مقيد بهوية واحدة بعينها.

ويسعدني أن استمد التأثيرات من أي مصدر جاءت منه. هل يمكنك وصف عملية الكتابة على نحو ما تمارسها؟ هل كان الانتقال من العمل الصحافي إلى كتابة الرواية والقصة القصيرة صعباً؟

كتبت مسودة أولى من «النمر الأبيض» في عام 2005 ثم وضعت جانباً، حيث كنت قد تخليت عن الكتاب، ثم لأسباب لا أفهمها أنا نفسي بصورة كاملة، على وجه التحديد في ديسمبر 2006، عندما كنت قد عدت لتوي إلى الهند بعد قضاء فترة طويلة خارجها. فتحت المسودة وبدأت في إعادة كتابتها بصورة كاملة. وعكفت على الكتابة طوال اليوم على امتداد الشهر التالي، وفي أوائل عام 2007 كان بمقدوري أن أدرك أن رواية متكاملة بين يدي.

من أين استهلمت شخصية بالرام هالواي؟ كيف أفلحت في الإمساك بناصية الصيغة التي يتحدث بها؟

بالرام هالواي هو عبارة عن تركيب من رجال مختلفين قابلتهم في غمار ترحالي في أرجاء الهند. وقد أمضيت الكثير من الوقت أتجول في محطات السكك الحديدية، أو محطات الحافلات، أو أماكن إقامة الخدم أو الأحياء العشوائية، وكنت أصغي إلى الناس من حولي، وأتجاذب أطراف الحديث معهم.

تتميز رواية «النمر الأبيض» بالثراء في التفاصيل من أعمال قوة الشرطة الفاسدة غالباً إلى آليات النظام السياسي، من طبقات دلهي العديدة إلى رجال أعمال بنجالور فما هي نوعية الأبحاث التي أنجزتها لتأليف هذه الرواية؟

هذا الكتاب هو رواية. إنه عمل من أعمال القصص. وما من شيء في فصوله حدث بالفعل، وما من أحد تلتقيه هنا يعد شخصية حقيقية. ولكنه مبني على طبقات من الواقع الهندي. وثمة مثال يمكن أن نطرحه في هذا الشأن، وهو والد بالرام، في الرواية، حيث يموت من جراء ذات الرئة. والآن فإن هذا موت خيالي لشخصية خيالية، ولكن تحته يكمن جانب من الواقع المروع، ويتمثل في الحقيقة القائلة إن ألف هندي تقريباً، معظمهم من الفقراء، يموتون من جراء ذات الرئة يومياً.

وهكذا فإنه إذا كان شخص مثل والد بالرام موجوداً، وإذا كان يعمل في جر عربة ريكشو، فإن فرص وفاته بذات الرئة تكون عالية إلى حد بعيد. وقد حاولت بجد التيقن من أن أي شيء في الرواية لابد له أن يكون على صلة بالواقع الهندي . والمستشفيات الحكومية ومتاجر بيع المشروبات الكحولية ودور البغاء التي تظهر في الرواية تقوم جميعها على أساس الأماكن الواقعية في الهند التي رأيتها خلال رحلاتي.

في الرواية والمجموعة على السواء تكتب عن الطبيعة الثنائية أو المنشطرة للثقافة الهندية، الضياء والظلام، وكيف أن نظام الطوائف ثم التدني به إلى «رجال ذوي كروش ورجال خمص البطون». هل لك في تفصيل القول حول السر، بحسب اعتقادك، في تقسيم الهند إلى هاتين الفئتين.

من المهم النظر إلى هذه التقسيمات على أنها تقسيمات بالرام، وليست تقسيماتي. فلست أقصد أن يتوحد القارئ طوال الوقت مع بالرام، والبعض قد لايريد التوحد معه علي الإطلاق.

وقد شهدت السنوات الخمسون الماضية تغيرات هائلة في المجتمع الهندي، وهذه التغيرات، التي يعد معظمها تغيراً إلى الأفضل، قلبت البنية التراثية التقليدية والعناصر القديمة التي تؤمن الحياة رأساً على عقب. وقد تركت الهند الجديدة التي تتشكل الآن الكثير من الفقراء الهنود غارقين في الحيرة إزاء ما يجري حولهم.

على الرغم من أن آشوك، في الرواية، له خصاله المحررة، فإن تصويرك له ولعائلته والأعضاء الآخرين في الطبقة العليا هو في الغالب تصوير حاد وقاس.

تصور الرواية هنداً لا نراها غالباً. هل كان أمراً مهماً بالنسبة لك أن تقوم وجهة نظر بديلة؟ لماذا يحتاج الجمهور الغربي إلى هذا التصوير البديل؟

إن السبب الرئيسي الذي من أجله قد يرغب أي شخص في قراءة هذا الكتاب، أو هكذا آمل، هو أنه يسلبه ويجتذبه حتى النهاية. وأنا لا أقرأ أي شيء لأنه «ينبغي علي ذلك»، وإنما أقرأ ما أستمتع به، وآمل أن يجد القراء روايتي ومجموعتي القصصية عملين ممتعين أيضاً. إنني أكتب عن الهند التي أعرفها، والتي أعيش فيها إنها ليست «هندا بديلة» بالنسبة لي. وإنما هي تيار رئيسي إلى أبعد الحدود.

كيف أثرت خلفيتك كصحافي يعمل في مجال أنشطة الأعمال في روايتك التي يلعب دور البطولة فيها رجل أعمال صنع نفسه من بداية متواضعة؟ ومع كل التغيرات التي تخضع لها الهند هل تشهد تغييرا في صفوف سكانها أم أن التغيرات وتكاليف النجاح كبيرة على نحو ما كانت بالنسبة لبالرام؟

جعلتني خلفيتي كصحافي يعمل في مجال أنشطة الأعمال أدرك أن معظم ما يكتب في مجلات الأعمال هو محض هراء، وأنا لا آخذ أدبيات الأعمال أو الشركات مأخذ الجد على الإطلاق. والهند تتعرض لطوفان من الكتب المنتمية لنوعية «كيف تكون رجل أعمال عبر الانترنت»، وهي جميعها كتب تعد بتحويلك إلى مليونير في غضون أسبوع واحد، وهذه هي نوعية الكتب التي يأتي راوية كتابي الأول على ذكرها ساخراً، فهو يعرف أن الحياة أكثر قسوة مما تعد به هذه الكتب.

وهناك الكثير من المليونيرات الذين صنعوا ثرواتهم من الصفر في الهند الآن بالتأكيد وكذلك الكثير من رجال الأعمال الناجحين. ولكن علينا أن نتذكر أن الهند يعيش فيها أكثر من مليار نسمة، وبالنسبة لغالبيتهم، ممن يحرمون من الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، فإن الوصول إلى القمة سيقتضي منهم القيام بشيء من نوعية ما أقدم عليه بالرام.

منى مدكور