منذ أكثر من خمس سنوات تقريبا، اختارت مؤسسة (Arte) الفرنسية سيناريو فيلم «المغني» كتبه قاسم حول، وحاز على الأولوية في لجنتي الاختيار. فحصل على الدعم. ومؤسسة الآرتي الفرنسية تدعم الثقافة في فرنسا وخارجها، وللمغرب العربي، تونس والمغرب والجزائر ومصر ولبنان، النصيب الأكبر من الدعم، وأحيانا سوريا، أما العراق فهو لا يحصل عادة على مثل هذا الدعم.

«مسارات» حاورت المخرج قاسم حول عن فيلمه الجديد الذي تجري عملياته الفنية الأخيرة في فرنسا، ومتوقع عرضه خلال أسابيع قليلة.كيف تمكنت من الحصول على دعم صندوق السينما الفرنسية لإنتاج فيلمك؟ أرسلت النص لزميلتي المخرجة «الراحلة» رنده الشهال فأعجبها وطلبت من رياك مدير السينما في الآرتي أن يقرأه فأبدى إعجابه بالنص وقدمه للجنة قراءة النصوص، فحصلت على الفرصة. وفيلمي هذا مهدى إليها، لموقفها الثقافي. ولماذا تأخر إنتاج الفيلم كل هذه السنوات؟انتحر المنتج الفرنسي «بلزان» الذي أعطي له الفيلم لتنفيذه. وجد مشنوقا في مكتبه بعد أسبوع من توقيع العقد معي. وبقي الفيلم راكنا حتى أصبح بعد أكثر من ثلاث سنوات من حصة شركة فرنسية«ويت بلوس برودكشن»، وحاولنا أن ننفذه في البداية في مصر ثم في المغرب ثم في تونس ثم في الأردن ولكن الجميع لم يقدموا المطلوب وبعضهم اعتذر، إما لأسباب مالية أو لأسباب سياسية.

كيف تقيم تجربتك في العراق في ظل الظروف السائدة؟

الاستقرار عامل مهم في نهضة الحركة الثقافية، وهذا لا يعني أن الثقافة تختفي في ظروف القهر والتعسف. لكن القهر والتعسف وكما يقول ابن خلدون يفسد النوع.

وهذه قراءة واعية بالتأكيد لابن خلدون وتشخيص دقيق لظاهرة التعسف التي صار يطلق عليها اليوم «الدكتاتورية» ولأن الثقافة السينمائية هي ثقافة صعبة ومفردات تعبيرها مرتبطة بتقنية وطرائق تحقيقها لا تحصل إلا بتظاهرة مرئية للعيان بمعنى يتم التصوير في الشوارع وفي غرف وبيوت وبحار وشواطئ وقد تحتاج إلى كومبارس وأسلحة وطيران .. هذا الشكل من الثقافة صعب الأداء والإبداع بدون حرية وبدون استقرار.

ونحن كلما حاولنا أن نقدم عملا نحاول أن نحلل فيه فكرة الدكتاتورية ومدرستها. ألم يعمل شابلن فيلما عن الدكتاتور؟ استوحاه من شخصية هتلر. ألم يعمل ميخائيل روم فيلم «الفاشية كما هي» عن هتلر أيضاً؟ ألم يعمل الكثير من سينمائيي ايطاليا أفلاما عن شخصية موسوليني الدكتاتور. ألم يعمل الألمان أفلاما عن دكتاتورية هتلر .

لماذا حرصت على تصوير الفيلم في أحد قصور صدام حسين؟

دخلت التجربة ومشاهد فيلمي صعبة للغاية وميزانيتي محدودة جدا ومضغوطة جدا. لم يكن بين يدي فيلم بشخصيتين رئيسيتين أو ثلاث شخصيات وبعض الكومبارس .. كان من الممكن أن يكون تنفيذ هكذا فيلم أقل صعوبة من فيلم «المغني» لكني وأنا كاتب القصة والسيناريو كتبت بمخيلة مفتوحة بدون حساب لظروف تنفيذ الفيلم.

فعندي قصر كبير لدكتاتور وعندي موكب رئاسي وعندي بدائل للدكتاتور وعندي وسائل وصول القصور من الطيران والخيول والزوارق العسكرية وعندي حارات شعبية وبيوت تراثية .. مواقع تصوير فيلمي صعبة ومتعددة وعدد شخوص القصة غير قليلين وفي الفيلم مشاهد كشف لأجساد ممثلين وممثلات ما تقتضيه أحداث القصة ..

كيف تقيم تجربتك مع الممثلين العراقيين، وأغلبهم يخوضون تجربة العمل السينمائي أول مرة؟

أغلب ممثلي الفيلم من مدينة البصرة وعدد قليل جدا من خارج العراق وهم أيضا عراقيون. بالنسبة لي، عندما أجد لدى الممثل نسبة قليلة جدا من الموهبة فأنا أتعاقد معه لأنني أهتم بالممثل كثيرا في الأداء شريطة أن يكون واعيا لطقوس العمل السينمائية وأخلاقية العمل فهي مهمة وتأتي بالدرجة الأولى قبل الإبداع، وبدونها فالفنان لا يحمل صفة الثقافة وبالتالي تنتفي عنه صفة الإبداع بالضرورة.

لو نظرنا إلى السينما العالمية أو ما يطلق عليها العالمية أعني السينما الأميركية والفرنسية والإيطالية ودرسنا تاريخها لوجدنا أن أحد أهم أسباب نجاحها وتطورها هو قيم العمل السينمائي وطقوسه لأن المثقف السينمائي هو مثقف ليس فقط في الأداء أنما ثقافته تتطابق مع سلوكه.

ما هو شعورك وأنت تدخل إلى مدينتك البصرة التي فارقتها ثلاثين عاماً؟

عندما دخلت مدينة البصرة، حمدت الله أن فناني البصرة وفناني العراق يتميزون بوعيهم لطقوس العمل السينمائي والأكثر حبهم لهذا العمل، فكانوا معي ليس فقط ممثلين ومبدعين أنما كانوا جنودا يجلبون الطعام في فترات الاستراحة لزملائهم ويحملون الأثاث على ظهورهم. ثم يمثلون .. طبعا هذا ليس من واجب الممثل ولكن كان ذلك ينم عن بهجة في أن تجربة السينما أعيدت للحياة العراقية.

أنا ممتن كثيرا من الفنانين العراقيين الذين عاشوا فترة صعبة تحت وطأة الدكتاتورية دون أن يفسد نوعهم كما كان يخاف ابن خلدون من ظاهرة فساد النوع تحت وطأة ما أسماه بالتعسف. وأيضا أبدعوا في التمثيل.

كيف تقيم المغني فنيا في مسيرتك السينمائية؟

من الصعب علي أن أقيم الفيلم فنيا، فالفيلم ليس فقط مشاهد متقنة التصوير والصوت ومتقنة الأداء التمثيلي، الفيلم بناء، وهذا البناء له مراحل، منها مراحل البناء في الكتابة ومراحل البناء في التنفيذ ومن ثم مراحل البناء في المونتاج. وهناك الصوت وتصميم الصوت وهندسة الصوت ومزج الصوت وهناك الموسيقى. كل هذه المفردات السينمائية تشكل القيمة الفنية للفيلم.

هل تظن أن عجلة السينما في العراق بدأت تتحرك أو تمشي؟

ليس سهلا أن تتحرك عجلة السينما. السينما تحتاج إلى قاعدة مادية للعمل. تحتاج إلى مدينة سينما وتحتاج إلى تقنية من الكاميرات والإضاءة والعربات والسكك الحديدية لتحريكها وإلى رافعات وتحتاج قبل هذا وبعده حرية التعبير التي كانت غائبة عن المثقف وعن السينمائي أكثر من ثلاثين عاما.

بدون تأسيس القاعدة المادية وبدون حرية التعبير وزوال جدران الخوف، السينما فن صعب. لكن ما هو ملاحظ هو الرغبة الشديدة والإصرار لدى عشاق السينما العراقيين أن يعملوا .. أن يصنعوا سينما .. أن ينتج فيلما سينمائيا وهم لا يملكون صالات لعرض أفلامهم. شيء لا يشبه شيئا آخر. الضمانة الوحيدة لنهضة سينمائية آتية وجود قاعدة مادية للإنتاج السينمائي ومع وجود حرية للتعبير.

سيكون الفيلم جاهزا للعرض في تشرين الثاني من هذا العام. أما طريقة العرض فذلك رهين بمستوى الفيلم وبقرارات المنتج وشركة التوزيع.

سيرة ذاتية

بدأ نشاطاته المسرحية في سن مبكرة، وفي 1957 أسس أول فرقة مسرحية في مدينة البصرة وقدم العديد من المسرحيات تأليفا وتمثيلا وإخراجا والتحق بمعهد الفنون الجميلة ودرس الإخراج والتمثيل لمدة خمس سنوات. وبعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة أنشأ «مؤسسة أفلام اليوم» التي أنتجت فيلم «الحارس» كتب قاسم حول قصة الفيلم ومثل أحد أدواره الرئيسية وأخرجه العراقي خليل شوقي.

حاز الفيلم على التانيت الفضي في مهرجان قرطاج السينمائي في تونس عام 1968. حازت أعماله السينمائية على جائزة ذهبية وجائزتين فضيتين وجوائز من مؤسسات ثقافية دولية. تم تكريمه في رام الله بفلسطين لجهوده في السينما الفلسطينية ومنح درع مهرجان القصبة السينمائي الدولي عام 2996 وفي عام 2009 منح درع الثقافة العراقية بعد إنجازه لفيلم المغني في مدينة البصرة.

شاكر نوري