رفد الكاتب اللبناني سامي فايد (1925-1999) المسرح الكوميدي الإيطالي المعاصر بكل ما هو ممتع وتجديدي، وأصبح اسما معروفا في عالم الكتابة المسرحية الكوميدية والرواية، جنبا إلى جنب مع عمله الصحافي في التلفزيون والإذاعة الإيطاليين.

لم يدخر سامي فايد جهداً في تنمية وصقل موهبته الكتابية، حتى صار واحداً من المع كتاب المسرح الكوميدي في عموم إيطاليا، بعد أن فاز نص مسرحية (دون جوفاني العاشق) بالجائزة الوطنية الأولى عام 1956، فاتسعت دائرة أعمال سامي فايد الكتابية التي ما لبثت أن احتلت منزلتها عند أفضل المسرحيين الإيطاليين وعلى رأسهم رائد المسرح الإيطالي المعاصر «ادواردو دي فيليبو» الذي اخذ العديد من نصوص فايد في أعماله المسرحية التي جابت عموم مسارح إيطاليا وأوروبا. لقد ظلت عطاءات سامي فايد، ينبوعا ساخراً لصمود الناس وتحديهم لعواتي زمنهم الأغبر، وذلك بقدرتهم الكبيرة على تجاوز أزماتهم لعكس صورة الفرح الذي سرعان ما يرتسم على وجوههم وأفعالهم وعلاقاتهم.

الشخصية النابوليتانية

«النابوليتنانو» نسبة إلى من يسكن مدينة نابولي، يتصف بسرعة البديهية، وخفة الروح، وتداول النادرة القصيرة التي تتسم ببلاغتها. وقد كان لمثل هذه الاجواء العامرة بالمحبة والعلاقات الساخنة، حضور طاغ على إبداع سامي فايد هذا اللبناني الذي كان يطلق عليه زملاؤه ب«الموسوعي اللبناني».

بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة عملاق المسرح الكوميدي «النابوليتنانو» سامي فايد غير المعروف في الأوساط العربية، فقد قامت فرقة « المسرح الكوميدي الإيطالي » بإحياء هذه الذكرى، بعرض مسرحي كتب نصه سامي فايد تحت اسم «الضربة الكبيرة في الكازينو» إخراج تونينو أزبوسيتو وتمثيل عدد من الممثلين والممثلات الإيطاليين.

حيث اعتمد النص الساخر على فلسفة الحقيقة والخيال، الصدق والوهم، الإخلاص والتصنع، السخرية كتعبير عن موقف الركض وراء الحاجة بأي ثمن، والذي ينتهي على الدوام برضى الجميع وتوافقها على السلم والوئام في حياتها. سعى هذا المخرج إلى توظيف المقالب الساخرة في خدمة موضوع الإنسان الفقير الذي، نتيجة المحن والأحداث الجسام التي تلم به، إضافة إلى فشله الدائم في مواجهتها من ناحية وعجزه عن تحقيق شخصيته ووجوده تحقيقاً إيجابياً، يلوذ بسلاح النصب والاحتيال.

فكرة النص تحكي كيف يحاول بعض من نصابي نابولي تلبس شخصية رجل عربي سائح في مدينة نابولي، يزعمون أنه يزور عدد من مواقع وإحياء المدينة، يغدق على الفقراء والمحتاجين.

ويزور الأماكن السياحية وبضمنها الكازينو، ليستقبل هناك من قبل إدارة الكازينو بحفاوة هو ومجموعته، يحاول هذا الشخص النابوليتناني الذي يتقمص شخصية الرجل العربي، القيام بالاحتيال على إدارة الكازينو بالتخطيط للقيام هو وعصابته بنهب الأموال من خزينتها، إلا أنه وأثناء إعداده لهذا المقلب مع رفاقه يفاجأ بوجود منتحل آخر لشخصية عربية يحاول هو الآخر تغيير عملة أجنبية مزورة من إدارة هذا المنتدى، إلا أن هذا الأخير يكون صيدا سهلا لكشف قناعه الزائف من قبل صاحب المقلب الأكبر والذي ينجح في النهاية بالاستيلاء على ما تحويه خزينة مدير الكازينو .

والذي لا يبدي اهتماما ملحوظا وقلقا بسرقة الأموال لأنه هو الآخر متورط بعمليات غسل أموال غير نظيفة ومتهرب من دفع الضرائب، لهذا يلتزم الصمت المرير، إلا أن قوات الشرطة التي تصلها أخبار عملية السرقة سرعان ما تحيط بملابسات القضية المفبركة أساساً بطريقة ساخرة هي الأخرى لتنهي التحقيق وتغلق محضر القضية.

فبعد أن استمع محقق الشرطة إلى إدلاء الشهادات التي تعلن توافقها وتخفي خلافاتها، بين زعيم العصابة ومدير الكازينو المتورطين، الأول بالسرقة والثاني بتنظيف أموال قذرة، وذلك من خلال تقاسم الأموال غير النظيفة بالتراضي وإبلاغ محقق الشرطة الذي يريد حل طلاسم عملية السرقة التي انتهت باتفاق جماعي بكونها لعبة عائلية بأن الأمور على نصابها الأمين بين الأقرباء والمعارف.

مخرج معجب بكرم العرب

يقول المخرج تونينو أزبوسيتو ل«مسارات» إن الشخصيات المسرحية التي قدمتها في هذا النص الكوميدي الذي اشتغل علية عشرات المخرجين من قبلي، تدرك في وضوح تام حقيقة ذواتها وتعي أنها ولدت حية على نحو معين وتتشبث في البقاء على نحو ما ولدت وبالصورة التي خلقت عليها، رغبة أكيدة منها في المحافظة على حقيقتها، فتقاوم بإصرار كل محاولة لان تظل مسحوقة، فهي تتشبث بكل الحيل والمداهنة والنصب والاحتيال من اجل استمرا تواجدها وعيشها».

وعندما نسأل المخرج عن تقديره لاستجابة الجمهور لمثل هذه الأعمال المسرحية التي كتبت في الستينات ولا تزال تقدم لأجيال جديدة مختلفة فكريا وثقافيا فيقول: «الجمهور تأخذه الدهشة وتتولاه الحيرة المصحوبة بالدعابة أين ما كان وفي أي وقت كان، فهم يغادرون المسرح وهم مقتنعون بأن القصة من صنع الخيال، إلا أن التفسير الخيالي لما حدث هو انعكاس للحياة اليومية التي لا تزال مدينة نابولي تعيشه إلى يومنا هذا، وان ما جرى في ذهن كاتب النص من خلق فني ساخر، هو انعكاس لواقع مازال إلى يومنا هذا يجري على الأرض في الحياة الواقعية لنابولي الصاخبة، المتدينة، المتعالية.

مدينة الصراع والالتباس والتباين الحاد، والتي مجدها هذا الرجل العربي في جميع النصوص التي كتبها، والذي اضحك ايطاليا بكوميدياته والذي بكاه الجميع يوم وفاته».

موسى الخميسي