في مكتبه الكائن في شارع الشيخ زايد، التابع لمؤسسة محمد بن راشد، يقضي الدكتور الباحث والمترجم والناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة معظم وقته في ترجمة الكتب التي تتعلق بنشاطات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فقد أنجز ترجمات عديدة له، منها كتابا «رؤيتي»، «قصائد من الصحراء» إلى الانجليزية، وكتاب «رياح الصحراء» إلى اللغة العربية.

وفي الوقت ذاته، لا ينقطع الدكتور عبد الواحد لؤلؤة عن نشاطه الدؤوب في الترجمة والتأليف، وأحدث ما يعمل عليه حالياً هو«دور العرب في تطور الشعر الأوروبي». التدريس وكتابة النقد، كيف توفق بين الوظيفتين؟ لكل ميدان مذاقه الخاص، ولكن ميدان التدريس لا يختلف عما أقوم به من تدريس الشعر الانجليزي والمسرح والنقد. وكنت حريصاً على أن أقدم رؤيتي النقدية إلى طلبتي، أي لا أقوم بالتدريس بصورة آلية، إذ أقوم بشرح القصيدة للطلبة لكي أعطي إضاءات نقدية. كما أجري مقارنات مع الشعراء الآخرين. وأحياناً أحاول إدخال شيء من النصوص العربية في تدريس الانجليزية.وأسعى إلى عدم تحميل النص أكثر مما يحتمل أي تلبيس النظرية على النص والابتعاد عن الأكاديمية الصارمة من خلال إدخال شيء من الفكاهة أثناء التدريس. كنت ذات مرة أدّرس مسرحية روميو وجولييت في الامتحان، سألت سؤالاً واحداً «اقترح نهاية مختلفة لمسرحية روميو وجولييت» ولكن غالبية الطلبة سردوا قصة روميو وجوليت وهو غير المطلوب.

انشغلت فترة من الزمن على الشعر الغنائي الأوروبي عن طريق الأندلس، إلى أين وصلت؟

انشغلت في بحث موضوع دور العرب في تطور الشعر الغنائي الأوروبي عن طريق الأندلس التي هي وريثة الشعر المشرقي. وقد سبق ذلك ظهور أول شعر بلغة أوروبية غير لاتينية بلغة البروفنسال في جنوب غرب فرنسا الحالية وشمال غرب اسبانيا.

كان الأمير وليم التاسع أول من كتب شعراً بلغة بروفانس في موضوعات الحب الدنيوي وكان ذلك خروجاً صارخاً على المألوف من الشعر باللغة اللاتينية آنذاك. وقد قلد وليم التاسع حوالي 400 شاعر أطلق عليهم اسم التروبادور أي الشعراء الجوالون الذين يكتبون شعراً يشبه الموشحات والزجل من حيث موضوعات الحب وظهور القافية. لم تكن القافية معروفة لا في الشعر الإغريقي ولا في الشعر اللاتيني. وهو أساس الحضارة الشعرية الأوروبية إلى نهايات القرون الوسطى.

هذه الظاهرة أثارت اهتمام عدد كبير من الباحثين الأوروبيين ابتداءً من عام 1670 في ايطاليا وأسبانيا. وكان السؤال الأساس: من أين ظهر هذا الشعر الدنيوي الذي يحتفل بالمرأة ويعلي شأن المحب؟ كانت الدراسات الأولى لا تزال بمختلف اللغات الأوروبية تقول ان المصدر هو الشعر الأندلسي في الموشح والزجل.

ومعروف أن الموشح ظهر في الأندلس على يد«مقدم بن معافي القبري الضرير» وهو من مدينة قبرة قرب قرطبة في عهد الأمير عبد الله بن محمد المرواني في أواخر القرن التاسع عشر.

وقد أثر الشعر الأندلسي في ظهور أول شعر غنائي بلغة أوروبية «عامية» تتبعها «عامية لاتينية» أي الايطالية التي كتب بها شاعر ايطاليا الأكبر دانتي «الكوميديا الإلهية».

موسوعة المصطلح النقدي، كيف بدأت فكرتها وإلى أين وصلت بها؟

بدأت بترجمتها بتكليف من وزارة الثقافة العراقية في عام 1978 وكانت تصدر في أجزاء مفردة كل جزء يحمل عنواناً من مصطلحات النقد الأدبي الأوروبي صدر منها 43 جزءاً في بريطانيا حتى عام 1982.

وفي ذلك الوقت كنت قد أنجزت ترجمة 16 جزءاً. وعندما غادرت بغداد في ظروف الحرب مع إيران توقف التعاون مع وزارة الثقافة. وقد صدرت في بريطانيا إلى اليوم أعداد جديدة فاقت التسعين جزءاً. وما زلت أبحث عن ناشر يتولى نشر هذه الأجزاء المتبقية.

لماذا لم تترجم أنطولوجيا للشعر الانجليزي الذي تفتقر إليه المكتبة العربية؟

هناك خطأ شائع في استخدام «الانطولوجيا» والأصح أن نستخدم «أنثولوجيا» التي تعني في الإغريقية «باقة ورد». ترجمت قصائد متفرقة، قصائد لشكسبير عنوانها«العنقاء واليمام» صدرت في كتابي الأول «البحث عن معنى» وهي قصيدة صعبة جداً وتحتاج إلى تفسير ودراسة نقدية كما ترجمت قصيدة لشاعر أميركي توفي في عام 1955 بعنوان اسمه «صباح الأحد» لوالاس ستيفنس ونشرته في الكتاب نفسه.

ثم ترجمت قصيدة أليوت «الأرض اليباب» وليس الأرض الخراب طبعاً كما هو حاصل في الخطأ الشائع. وهناك اختلاف بين الأرض اليباب وهي الأرض التي انحبس عنها المطر وأما الخراب فهي الأرض التي لا خير يرجى منها والقاموس يقول«دارهم خراب وأرضهم يباب». جوهر القصيدة إن الحياة في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت يباباً لأن الناس أهملوا التراث والدين.

ما هو في رأيك تأثير الترجمات الخاطئة على ثقافتنا؟

في بلادنا العربية، يعتبر البعض، وللأسف الشديد، الترجمة نوعاً من «الاسترزاق» فنجد في بعض الأحيان كل من ألم بشيء من المعرفة بلغة أجنبية يقوم بترجمة كتاب وينشره بطريقة أو بأخرى.

وأحياناً تجد ترجمات غير دقيقة لأسماء كبيرة وقد تعرضت لشيء من هذا في مقدمة كتابي «الأرض اليباب» وهو ترجمة لقصيدة اليوت الكبرى مع دراسة وتحليل. أما تعدد الترجمات في الغرب، فسببه اختلاف الأذواق أو اختلاف العصور وأحسن مثال ترجمات الأدب الإغريقي، على سبيل المثال، ترجمة الشاعر الانجليزي الكسندر بوب لإلياذة هوميروس التي ظهرت في القرن السابع عشر. تبعتها ترجمات أخرى في عصور لاحقة.

هناك من يترجم من لغات وسيطة بعض عيون الأدب العالمي والإنساني كأن يترجمون الكوميديا الإلهية من الفرنسية أو ديستويفسكي من الفرنسية أو ميشيما من الانجليزية ،ما هو رأيك؟

يجب أن تكون الترجمة الحقيقية عن اللغة الأصلية أما إذا توافق لدى المترجم معرفة دقيقة باللغتين فلا بأس أن يترجم عن لغة وسيطة. مثال ذلك ترجمات طه حسين للأدب الإغريقي عن الفرنسية ولكن هذا لا يتيسر لكثيرين من المترجمين والناقلين. لكن التطفل على النصوص بدون معرفة اللغة، يؤدي إلى ضياع المعنى والقيمة الأدبية.

وكان يونس بن متي القنائي ينقل إلى العربية ما سمعه من الناقل السرياني وأدى تعدد الآلهة إلى معارضة الذوق العربي الإسلامي وبذلك خسر تراثنا الأدبي كثيراً من المعرفة بالأدب الإغريقي منذ أيام المأمون. لكن ترجمات لاحقة لكتاب أرسطو جاءت عن الفرنسية أو عن الانجليزية مثلاً ترجمة إحسان عباس لكتاب أرسطو عن الإنجليزية.

هل هناك خلل في ترجمة الأجانب لتراثنا وأدبنا؟

الخلل الموجود في الترجمة أن الأجانب ليس لغالبيتهم إطلاع كاف على الثقافة والحضارة العربية. ومرة كنت أقرأ في كتاب عن المعلقات، ترجمه أستاذ الأدب العربي في جامعة بريطانية، فوجدت في أحد المعلقات لغة غريبة تشبه معلقة عمر بن كلثوم، وبالفعل كانت تعود لطرفة بن العبد في الترجمة الانجليزية.

وقرأت ترجمة انجليزية لاحدى قصائد عبد الوهاب البياتي يقول فيها «نحن لم نقتل بعيراً أو «قطاة»، فترجم قطاة إلى «غراب»، فقتل المعنى قتلاً بسبب الفارق الكبير بين القطاة والغراب في المغزى وظلال المعاني. والأمثلة كثيرة لا مجال للخوض فيها هنا.

ترجمت إلى الانجليزية أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وكتاب «رؤيتي»، هل لديك مشروع جديد؟

نعم . أنجزت ترجمة لكتاب انجليزي بعنوان «رياح الصحراء»، وهو كتاب ممتع يتحدث عن طفولة وشباب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ويحكي قصصاً عن الصيد والخيل والسباق وقوانين الحياة البدوية.

كيف ترجمت الشعر النبطي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى اللغة الإنجليزية موزونة ومقفاة؟

وجدت صعوبات كثيرة في ترجمة شعر سموّه لأنه يستخدم المفردات والمصطلحات المحلية التي لا تسعفني إلى فهمها معرفتي بالشعر الشعبي في جنوب العراق. اعتمدت على تفسيرات شاعر من دبي هو الشاعر سيف المري، الذي فسر لي تلك المعاني وأفادني في صياغة المقابل باللغة الانجليزية. وحافظت على الإيقاع الشعري الذي يتخذ صورة الأوزان «الآيامبك» الخماسي في اللغة الإنجليزية، وهو الوزن الشعري المفضل عند شكسبير في «الغنائيات».

ما هي مشاريعك الحالية؟

حالياً أتفرغ نهائياً لإخراج كتابي الذي أعمل عليه سنين طويلة عن «دور العرب في تطور الشعر الأوروبي» استناداً إلى مصادر كبيرة جمعتها من مختلف الجامعات الأوروبية: كامبردج، ومكتبة المتحف البريطاني، وجامعة فيينا، وميونخ، وجامعة غويلف الكندية وغيرها.

كتب نقدية:

* البحث عن معنى: المؤسسة العربية للدراسات والنشر1973،

* ت.س. إليوت: الأرض اليباب ـ الشاعر والقصيدة 1980.

* النفخ في الرماد (بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، 1982)

* منازل القمر (لندن، رياض الريّس للكتب والنشر، 1990).

* شواطئ الضياع (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

* مدائن الوهم : شعر الحداثة والشتات: دراسة نقدية في الشعر العربي (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2002).

* الصوت والصدى: دراسات ومترجمات نقدية ـ (المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 2005)

* أوراق الخريف: دراسات ومترجمات نقدية ـ (رياض الريّس للكتب والنشر بيروت 2008).

شاكر نوري