أصابعك.. لغةٌ، فماذا يهمُّ إذا كنتِ لا تعرفين لغتي، أو كنتُ لا أعرف لغتك، أو.. أنك سألتِني بنصف لغة إنجليزية كالتي أُجيدها تماماً:- من أين أنتَ؟ لماذا لا تلتفتين إليَّ وأنت تسألين؟! عندنا.. في بلدنا، نقول: العيون مَغْرَفة الكلام! وأغلبنا لا يردُّ إذا لم ينظر المتحدث أو السائل إلى عينيه.

وأنا جلست قبالتكِ ساعة كاملة، لا أعرف اسمك، لا تعرفين اسمي، محاولاً ترجمة أصابعك، ثم وجدت نفسي تنتقل من قراءة لوحتك لتقرأ أنوثتك الناعمة.. النحيلة، لا تُشبه سوى المُنمنمات في مخطوطة كتاب قديم.ما الذي قاد خَطَايَ إليك في مدينةٍ أكبر ممَّا تخيَّلت، تركتُ كل من رافقوني إليها من.. بلدي لأنْسَرِبَ في شوارعها وحدي، أمشي.. لأمشي، وأمشي لأكتشف نفسي فيما أنا أكتشف المدينة، لم أكن أهتمُّ لو أني تهتُ في بكين وأنا أتعرق تحت سمائها الرطبة كعصفورٍ مبلول الريش، تذكرت وأنا أعبر ساحة «تيامين» مقطعاً من رواية أنطونيو تابوكي عن رجل يختفي في الهند، ربما.. هو الروائي نفسه: «هذا البلد يليقُ أن يضيع المرء فيه)!قبل أن ألتقيك لم يكن يهمّني إذا نزلتُ إلى أنفاق (الميترو) وحدي، لأركبَ عربات لا أعرف آخر محطاتها، أقرأ أسماء الحارات والضواحي، أُهَجِّيها مُستعيناً بكُتَيّب سياحي، فإذا أعجبني إيقاع الاسم نزلتُ مع النازلين.

وصعدتُ مع الصاعدين، تركت أيامي خلفي حين دَلَفْتُ إلى بكين القديمة أتسكع في حاراتها الضيقة، في حدائقها الملكية، في أسواقها المزدحمة بكلّ ما اخترعته الطبيعة من ألوان ونكهات وروائح، وحين عاد بي سائق التكسي إلى الأوتستراد الرئيسي، عابراً قبالة الفندق الذي يأويني، نزلت عند أول مفرق، مخترقاً لليوم الثاني على التوالي.. أطول شارع مُخصصٍ للمشاة رأيته أو سمعت عنه.

من أين أنت؟!.

سألتني وهي جالسة على الأرض، ومن دون أن تلتفت إليّ.

وأنا منذ صباح اليوم الماضي لم أنم سوى ساعتين، لماذا يحتاج أحد للنوم في بلدٍ لا يعرفها؟!

جلستُ في أول مقهى رصيف، رشفت من زجاجة بيرة صينية باردة، محاولاً تمييز العابرين من إيقاع خطواتهم في ذاك الشارع الطويل المبلط بالحجارة، وحين أشعلت لفافتي لمحت على الزاوية المقابلة لي صالة زجاجية واسعة: صالة الفن الحديث، ثم تراءت لي من خلف الزجاج خمس عازفات على آلاتهنَّ الوترية الصينية، لم أجد في أيّ مكان دخلت إليه في الصين سوى العازفات..

في بهو الفندق، في صالات الشاي، في المراكب النهرية الخشبية الملونة بزرقة السماء وخضرة الأرض وبأرجوان ما بينهما لحظة تغيب الشمس.. أو تكاد تغيب.

هل هناك حكمة صينية قديمة تحصر العزف بالنساء فقط؟!. ربما.. لكنها إذا وُجِدتْ فهي حكمة صائبة، الموسيقا.. نساء، ونحن أوتارهنّ.

نهضت عابراً شارع المشاة نحو الصالة لأسمع آهات الروح من لمس أصابعهنّ، لأسمع تأوهات الجسد ـ قرأت قرب الباب الزجاجي لوحة بالصينية والإنجليزية: ورشة فن تشكيلي من قارات العالم.

مِنَ الموسيقا.. إلى التشكيل إذاً، لكني رأيت كيف تمتزج في فضاء الصالة بحَّةُ الأوتار برائحة اللون.

درت حول سلالم الموسيقا في الصالة بين خمسة رسامين يُنجزون لوحاتهم أمام الجمهور مباشرة.. الأسترالي لم يكن يرسم لحظة مررت به، كان يجلس وظهره إلى لوحته غير الناجزة.. تتوه عيناه في فضاء سديمي أبيض، لعلّ لوحته لم تولد بَعْدُ.. فيه!.

والهولندي الذي لا يُشبه فان جوخ في شيء، يترك فرشاته فجأة، كأنه على قلقٍ، خاطفاً كيس تبغه، خارجاً من الصالة ليزيد الشارع ازدحاماً بدخان غليونه.

البرازيلية تحكي وهي ترسم، حتى لو لم يكن حول لوحتها أحد، كأنها ترسم.. لتحكي، وتحكي كأنها تروي كلَّ ما قد نسي أن يكتبه جورج أمادو.

النيجري يرسم واقفاً يتمايل.. كأنه يرقص على إيقاع طبول إفريقية في داخله، ليرسم لوحات أجداده، بألوان أعشابهم وجذور نباتاتهم، ليرسم أقنعة وتعاويذ ولوحات بخطوط بدائية خاطفةٍ وسريعة، كما لو أنه في رحلة صيد.

الصينية التي لم تكن قد سألتني: من أين أنت؟ جالسة على الأرض، كما قد جلستُ قبل يوم في صالة المعبد البوذي طاوياً ساقيّ تحت رداء ألبسني إيّاه الرهبان بعد اغتسالي بمائهم المقدس، أرتديه بسيطاً، ليس خشناً تماماً ولا ناعماً، كأنما قد نسجه كائن واقف ما بين الذكورة والأنوثة، مصبوغاً.. بلون الزعفران البرّي، بل.. بلون القرمز، وحين صرت تحت الشمس في ساحة المعبد، تأكدت أنه بلون ثمار النارنج في بيوت حلب العتيقة. ثم رأيتها..

تمزجه في أحد أوانيها الخزفية الصغيرة، بهدوء عجائبي، ريشات رسمها ناعمة ونحيلة.. كأنها أصابعها، تُضيف إلى لوحتها تفصيلاً.. مجرّد تفصيل كأنما تزخرف رموزاً على مزهرية من الخزف، ثم تغسل الريشة بصبر وعناية، تنتقي ريشةً غيرها لتضيف تفصيلاً أرقّ ممّا تخيَّلت.

أعجبتني تقنية الإفريقي، خصوصيته في الرسم من بين كلِّ المشاركين، لكن لوحتها جذبتني، ربما.. أصابعها، ربما.. أنوثتها، فانجذبتْ.

جلستُ على مقعدٍ بجانبها، أُراقب طريقتها الخاصة، سابحاً خارج قوانين الجاذبية!. تذكرت بعدها أنها سألتني. من قلَّة التهذيب ألا أردّ، حتى لو أنها لم تلتفت إليّ.. قلت:

ـ أنا من آخر بلد على طريق الحرير.

التفتت، أخيراً.. رمقتني عيناها، استدركتُ بالعبارة الصينية الوحيدة التي حفظتُها من شرطيّ المطار حين قرأ جواز سفري:

ـ شيريا أرابو « عربي سوري».

فتحت حقيبتي، أخرجتُ نسخة من رقيم طينيّ لأبجدية أوغاريت، ناولتها إيّاه، تأملته طويلاً بدهشة طفل، ثم أعادته إليّ، كأنها لم تفهم جيداً مبادرتي.

ـ هذا.. لك، هدية، «سوفينير» عمره خمسة آلاف سنة.

ثم فتشتُ عمّا ترجمته في داخلي إلى الانجليزية ولم أعثر عليه بين شفتيّ:

هذا لكِ.. بعضٌ من طيني ومن نار الأزمنة، من فخَّار أمكنتي، عائداً مع قوافل الحرير إليك.

نهضتْ، صارت قبالتي، أحنتْ رأسها، شكرتني. وقفتُ، مددتُ يدي نحوها، لا لشيء.. سوى أن ألمس أصابعها الرهيفة، وسوى أن تمتزج الشواطئ بيننا حتى لو أنها من أول الشرق إلى أقصاه، أن تختلط أنهارنا، وتنهض فينا أشجارنا، تمشي بين مساماتنا أسراب النمل، تلدغنا أسراب النحل، ويخفق بأجنحتنا الحمام.

لم يكد كفَّانا يتلامسان حتى تبخرت اللغات كلها. خرجتُ من الصالة متفادياً لوحتها.. أصابعها.. نظرتها، وآخر ما تبقى لي من أبجديات.

لم أدر سوى أني في فترة المعرض المسائية.. قد عدت، جلست بقربها نصف ساعة من غير أن تشعر بوجودي، جلس بقربي آخرون.. تأملوا لوحتها وطريقتها في الرسم ومضوا، وحين صرت من جديد وحدي، سألتني:

أنت ترسم أيضاً؟!

سألتني من غير أن تلتفت إليّ، هل أحست بي مُذْ جلست؟، كيف رأتني من غير أن تراني؟!

قلت:- للأسف.

ماذا تفعل إذاً في هذا العالم؟.

أرسم بالكلمات ما ترسمينه بالخط وباللون.

أخذتني أصابعها من أصابعي، جذبتني إلى حيث جلستْ.. فجلست، ناولتني ريشة، قالت:

أكمل لوحتي.

حدقت في الريشة، في لوحتها.. حائراً، ألوذ بالموسيقا التي تعزفها الصبايا، أسمع أنفاسها كلما التقطت العازفات أنفاسهن بين معزوفتين، همستْ:

استرخِ.. دع أصابعك ترسم عنك.

كيف عرفت أني أرسم أحياناً، ثم أعلق خربشات الديك مشوهاً بها جدران غرفتي؟!

كأنها سمعت تساؤلي الذي في حشاي، قالت:

بالحَدْس.

من أين سأراود لوحتها.. وتراودني، كأن لوحتها.. مرآة، ولست متيقناً اني سأرى فيها صورتي، وأني سأقرأ صيرورتي في جبهة كونفوشيوس حيث العين الثالثة، سأرتل بعد قليل.. إنجيل التاوية.

فلمّا تلعثمت الألوان وأنا أمزجها، سألتني:

بأيّ الألوان ترسم؟!

بما تبقى من فنجان قهوتي.

كأنها لم تصدقني: - على قماش أبيض؟!.

على ورق أسمر أحياناً، على قفا كرتونة، أحياناً على لوح«كونسون».

هزت رأسها وهي ترمقني، كأنها تجلس بقرب مشعوذ، أو.. حالم.. وربما مجرد مجنون.

لمحتُ رقيم أبجدية أغاريت مركوناً على الأرض قبالتها، قرب لوحتها المركونة على الأرض، لم تكن تستعمل الحامل الخشبي كما فعل الآخرون، سألتها عن اسمها.. قالت:- مياو.

قلت: -« كات».. قطة؟!

هزت رأسها ضاحكة، قالت:

ـ الجوهر.. زهرة الماء، لست قطة متشردة كما تظن!.

غمستُ ريشتها باللون الأزرق، كتبتُ بأبجدية أوغاريت حروف اسمها، مُستعيناً بالجدول الملصق على خلفية الرقيم، ثم كتبته بالخط الكوفي، وتحديداً.. بالكوفي الأندلسي.

وحين سألتني عن اسمي، أمسكتني من أصابعي، غمست الريشة وكتبت اسمي على لوحتها بأبجدية الصين، نثرنا الحروف مسمارية وصينية وعربية في فضاء اللوحة.

توقفنا ونحن نلهث..

كأننا قد حرثنا حقلاً شاسعاً من شرق المتوسط حتى سور الصين، ثم نثرنا الحروف فيه.

أطلقت مياو تنهيدة، ثم همست كأنها تعترف لي:

لم أكن أعرف كيف سأنهي لوحتي.

شجّعها صمتي على البوح:

أحسست قبل مجيئك أني سأظل أرسمها طوال ما تبقى من عمري.

نهضنا باللوحة، علقناها على الجدار المخصص لها، دق جرس الصالة تنبيهاً بانتهاء الفترة المسائية لورشة الرسم، تركنا كل شيء على حاله، تركنا العازفات والرسامين يلملمون أشياءهم استعداداً للانصراف.

خرجنا من الصالة، نعبر الشارع الطويل في غبش المساء المثقل بالرطوبة، لم يسأل أحدنا سواه.. إلى أين نمضي.

كنت التائه طوال يومين وحدي.. صرت اثنين، أصابعها بين أصابعي، أعيد اكتشاف بكين من جديد، كل مدينة لا تكتشفها لك امرأة.. ستبقى مدينة مجهولة، وكأنك لم تزرها.

تكاثفت رطوبة الليل فجأة.. انحنت فوقنا قاب قوسين من رأسينا، غسلتنا بالمطر.

أجمل المدن.. امرأة يغتسل بها المطر.

القاص في سطور

* كاتب قصصي ومسرحي وناقد سوري، ولد في مدينة ادلب 1959. يعمل في حقل الاعلام ويعد من أبرز الأصوات الجديدة في القصة السورية.

من مؤلفاته:

* «حكاية تل الحنطة» مسرحية ـ 1986. «درب الأحلام» مسرحية ـ 1989. «الأنفاس الأخيرة لعتريس» قصص ـ 1993. «ساعة باب الفرج» قصص ـ 1994. «نون النسوة» قصص ـ 1995.

قصة ـ نجم الدين سمان