تظل لبيروت في الذاكرة العربية مكانة خاصة لأنها المدينة المرحة التي تحتوي زائريها لذا حين تستعيد المدينة جزءا من ذاكرتها التي دمرتها الحروب المتتابعة ، فإنها سرعان ما تتجه لها الأنظار ، من ذلك البطاقات البريدية التي تؤرخ للمدينة في نهاية القرن الـ 19 والنصف الأول من القرن العشرين، عبر مجموعتين الأولى لفؤاد دباس والثانية لخالد تدمري حيث صور نادرة للمدينة القديمة.

حاول فؤاد دباس أن يقدم لنا بيروت بصورة مختلفة من خلال مجموعته من البطاقات البريدية. ففي العقد الخامس من القرن التاسع عشر، كتب شارل أوبريف « أصبحت بيروت، بفضل السفن البخارية، مدينة سيؤمها السياح عما قريب، طلبا لربيع دائم في سفوح لبنان، وذلك على غرار الذين كانوا يؤمون جنوبي فرنسا.. فالرحلة البحرية سهلة نسبيا.. وتستغرق ثمانية أيام، والخدمة ممتازة».إن مرفأ بيروت متواضعاً بسيطاً كما تكشفه الصور الملتقطة له، غير أن تطوراً كبيراً حدث له عقب توسعته على يد الشركة الإمبراطورية العثمانية، فبات مرفأ حديث امتد في البحر بفضل إنشاء رصيف بحري طوله ثمانمائة متر، شبة مواز للشاطئ، مما يسمح ببلوغ أعماق كبيرة، وفي عام 1925 أصبحت الشركة فرنسية، وأضيف حوض جديد وتمت توسعته أيضاً في العام 1934.

بني أول فندق على المرفأ في العام 1849، على يد الفندقي الشهير باتيستا، وقبالة الفندق، على الأرض المستحدثة من جراء ردم المرفأ القديم، افتتحت محلات أوروزدي باك الكبيرة فرعها في بيروت في سبتمبر 1900، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لوصول السلطان عبد المجيد الثاني إلى الحكم، فكان أجمل فرع لهذه المحلات في المشرق، وأولها مجهز بمصعد.

بعد أن دمره حريق مفتعل في 1937 شيدت في مكانة بناية فتال. حظيت بيروت بتصميمات للمعماري الفرنسي الشهير غوستاف إيفيل وذلك العام 1893 كان منها رصيف بحري ومحطة استقبال الركاب في المرفأ ومستودعات الجمارك، كان هذا جزءا من محاولات تحديث بيروت التي كان سكانها يزيدون على ستة آلاف في القرن 19 الميلادي، شهدت بيروت هدما متتاليا سواء لشق شوارع واسعة أو لخطوط سير التراموي، غير أن أكثر ما يثير الانتباه في بيروت هو البوسطة العثمانية.

كانت دوائر البوسطة العثمانية موزعة في أنحاء المدينة. لكن أهمها كان، بدون أدنى شك، الدائرة المركزية التي تم تدشينها في 24 أغسطس 1908، ويقع المبنى قبالة خان أنطون بك الذي كان يضم دوائر البوسطات الأجنبية: انجليزية، فرنسية، روسية، ألمانية، ونمساوية. وبالفعل، كانت الدول الأوروبية العظمى تتمتع بامتياز نقل البريد.

وكان التجار المحليون والأجانب يفضلونها على البوسطة العثمانية التي كانت تعتبر بطيئة وغير أمينة. وبقي الوضع على حالة، بالرغم من المحاولات الفاشلة التي قامت بها البوسطة العثمانية بإجراء تخفيضات كبيرة على الرسوم البريدية وزيادة فروعها في المدينة وحتى فتح دائرة مركزية تجاه منافسيها. لذا، قرر العثمانيون، وبعد أن أعيتهم الحيلة، إلغاء امتيازات البوسطات الأجنبية في المشرق قبيل الحرب.

وإذا أردنا أن نلقي نظرة على بيروت فما علينا إلا العودة بالذاكرة لحي الزيتونة، فإنه مع حلول العام 1830، بدأت المدينة تخرج من أسوارها، مما جعل الفنادق تنتقل غرباً على واجهة البحر.

وبالفعل، كان من الأسهل على المسافرين الوصول بالزورق إلى فندقهم، بعد الانتهاء من الإجراءات الجمركية والصحية، إذ كانوا بذلك يتفادون المرور داخل المدينة القديمة وأزقتها الضيقة المحظورة على عربات الخيل. لاسيما أن شرقي المدينة القديمة لم يكن صحياً ( دباغات، مسلخ) ويصعب الوصول إليه بحراً بسبب صخور حي المدور المرتفعة.

وعلى أي حال، كان الأجانب المقيمون في بيروت قد اختاروا السكن غربي المدينة ومنهم القناصل، لذا سمي هذا الحي بحي القناصل. ابتداءً من رأس الشامية تقوم مجموعة من المقاهي على ركائز خشبية منها مقاهي البحري وقصر البحر والبحرين. كما كانت هناك مقبرة الصنتية الإسلامية التي أعطت اسمها للمحلة.

ويرجع اسمها غالباً إلى شجر السنط الذي كان يكثر وجوده هناك. وقد بنيت على جدارها في الثمانينات محلات تجارية لا تزال قائمة، عرفت بالمخازن الجديدة.

غربي رأس الزيتونة، يقع خليج صغير، هو خليج ميناء الحصن. وكانت سفن النزهة الخاصة لرواد أوتيل سان جورج ترسو فيه، وكذلك مراكب بعض الصيادين. شهد هذا الخليج حوادث عديدة، آخرها نزول القوات الفرنسية بقيادة الجنرال بوفور دوبول في 16 أغسطس 1860، فعرف بمرفأ الفرنسيين. ويبدو أن المدينة الرومانية كانت تمتد حتى هذه النقطة.

وبالتوجه غرباً، تمر الطريق الساحلية بمحاذاة الكلية السورية الإنجيلية. ويعود للوالي إسماعيل كامل بك فضل المبادرة إلى إصلاح الطريق الساحلي من جسر المرية إلى ميناء أبوشوران في 1892. كما تظهر على الطرف الشمالي الغربي للمدينة، المنارة التي بناها مهندسون فرنسيون ما بين 1862 و 1863 والتي كانت تشرف من علو ثمانية وثلاثين متراً، على ميناء شوران الذي أصبح لاحقاً الحمام العسكري وعلى ملعب نادي النهضة الرياضية.

خلفت الجامعة الأميركية في بيروت، عام 1921، الكلية السورية الإنجيلية التي أسستها الإرسالية البروتستانتية في 1866. فكانت أول مؤسسة للتعليم العالي في بيروت. بدأت الدروس في بيت صغير سيئ الموقع والتهوية مؤلف من أربع غرف في حي زقاق البلاط. وتواصلت الدروس في هذه الظروف الصعبة، خلال سبع سنوات، حتى تمكن د. ستوارت دودج من جمع التبرعات في الولايات المتحدة لشراء قطعة أرض وبناء كلية.

وتطوف بنا مجموعة بطاقات فؤاد دباس البريدية في عدد من الأحياء اللبنانية العرقية ومنها: حي الصنائع، الذي لا يزال قصر فرعون يرتفع على أعالي التلة في شارع الجيش، والذي بناه روفائيل فرعون عام 1892 ومن ثم، جمع فيه حفيده هنري إحدى أجمل المجموعات الخاصة من الأثريات والتحف الإسلامية والصينية، وكذلك مجموعة سجاد شرقي لا تقدر بثمن.

أما حي زقاق البلاط، فيوجد به أول طريق عُبد بالبلاط البركاني الأسود في بيروت. وكانت المطبعة الأميركية أول انجاز حققه المرسلون البروتستانتيون. تأسست عام 1822 في مالطا، وانتقلت في 1834 إلى بيروت، جنوبي غربي باب يعقوب. وفي السنة ذاتها بنت السيدة سارة سميث في المحيط نفسه، أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية.

وغالباً ما يعزو المؤرخون إلى الأمير فخر الدين تشجير حرش بيروت بالصنوبر، كان الحرش متنزهًا لسكان المزرعة والبسطة والمصيطبة. وبني فيه حسن أفندي الحلبوني، أحد وجهاء بيروت من أصل دمشقي، جامع الحرش للبدو القاطنين في تلك المنطقة، والذي أصبح لاحقاً ملكاً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية. وينسب حي الأشرفية إلى الملك الأشرف خليل بن الملك منصور قلاوون الذي طرد الصليبيين من مدن المشرق الساحلية والذي بنى، كما يقال قصراً هناك.

معالم متغيرة

توثق البطاقات البريدية لبيروت التغيرات التي طرأت على الشاطئ الشرقي والتي غيرت معالمه كليًا عندما نقاربه بصور ورسوم القرن الماضي. انطلاقا من البرج المسلح، وهو حصن كان يشرف على المرفأ القديم، وصولاً إلى رأس الخضر، لم يكن هنالك سوى شواطئ صخرية عالية جداً.

خالد عزب