إن الكم الكبير والمتنوع من الدمى في عالم اليوم، بات يشكل ظاهرة «بيغ بونغ»، فأنى اتَّجه المرء، أو نظر، تقع عيناه على دمى بأحجام مختلفة، ومن مواد شتى، وبأسعار متفاوتة.

ما الذي يُراد من الدمية سوى ترويض الكائن الحي الذي تكونه أصلاً، سوى إطلاق سراح القوى الرابضة داخلنا؟ أليس انشغالنا بين الحين والآخر بدمية ما، إعجابنا بها، سعينا إلى التنويع فيها، يستجيب لحاجة لنا بدافع السيطرة؟

ما الذي يربطنا بالدمية، ويبقينا على تماس مباشر ويومي، وفي أمكنة مختلفة معها، وخصوصاً وسط أولادنا؟

لعل فكرة الدمية نبعت في ذهن من ليس له صلة بالآخر، ليوحي إلى أنه يقيم علاقة، علاقة واحدة على الأقل مع العالم من حوله وداخله، وليس من باب الترويح عن النفس، أو لغرض تربوي، لإمتاع الطفل وتفتح قواه النفسية!

إن الكم الكبير والمتنوع من الدمى وفي عالم اليوم، بات يشكل ظاهرة «بيغ بونغ»، فأنى اتَّجه المرء، أو نظر، تقع عيناه على دمى بأحجام مختلفة، ومن مواد شتى، وبأسعار متفاوتة. إن هذا التنويع، وإن كان يلبي حاجات مختلفة من جهة القيمة المادية والذائقة الحسية، ينطوي على ضرب من المغامرة الفائقة النفاذ، وهي إمكانية وضع الناظر في مواجهة نفسه، وضع من يتلمس في الدمية جواباً على أسئلة كثيرة، ليستقر نفسياً ويهدأ من تلقاء نفسه تدريجياً!

الدمية في أمكنة كثيرة، وعبر المتاجر الكبرى(السوبرماركات)، تمثّل أنهاراً متحركة، لها هديرها اللوني، عبر سلسلة من الدعايات والإعلانات الطرقية والبثية، إدراكاً من القيّمين عليها أن ثمة فتنة، أو غواية قائمة، تتأتى من خلال هذا الاهتمام المتنامي بالطفل، من ظاهرة غياب الأبوين عن البيت زمناً طويلاً، وإسناد الدور التربوي لدمية أو مجموعة دمى، من خلال توافر شروط تجعلها مدار اهتمامات الطفل وشد انتباهه في سنواته الأولى.

عدوى الاهتمام بالدمية تجاوزت حدودها المتعلقة بالطفل وعالم الطفولة، إلى درجة سهولة إيجاد مجتمع المشهد الدميوي، حيث الدمية تشاطر الكبار في الكثير مما يعيشونه على الصعيد النفسي، وفي علاقاتهم الاجتماعية.

تبرز الدمية الواصلةَ بين حدود الاحتياجات وقد تصدعت، حيث إن الذي يهتم بها ليس الطفل الذي تتفتح قدراته بمعونة دمية أو أكثر، وإنما قد يكون بالغاً، راشداً، كبيراً، يشعر بالحاجة إلى من يواسيه، عبر فراغ يفغر فاه داخله، وبشكل رئيس في المجتمعات التي تشهد شروخاً في بنية القيم الاجتماعية، رجالاً ونساء، وداخل العائلة الواحدة، إلى درجة أنه يمكن مشاهدة دمى مختلفة، في أشكالها وأحجامها، وبأسعار مختلفة داخل البيت الواحد، وبحسب الغرف الموجودة، ومن يقيم في كل منها، تترجم نوعية العلاقات الاجتماعية العائلية المنشأ بسهولة!

إن القدرة على تمثيل أي شيء، على أن تكونه، تضعنا إزاء أهم حقيقة تجلوها الدمية، وهي في قابليتها للحلول محل الكائن، أن تلغي الحدود الفاصلة بين أي كائن وسواه، من مرتبته في النوع، أو من نوع آخر، وهذا ما يخيف كل من يتخذ منها موقفاً سلبياً، إنه الموقف المتمثل في النيل من أي كان، من خلال تدقيق في النظر، واعتباره دمية ليس إلا، وكأن الأساس في فكرة الدمية وجوداً وانتشاراً واختلاف وظائف، هو القيام بدور نفسي، وهو رمزي بصورة عميقة، وكأن رؤية أي منا، لمن يجد نفسه، في هيئة دمية، وكأن الجاري حقيقة، رغم أن مفهوم الدمية في الغالب.

وكما هو مشاع يدخل في نطاق التسلية والتحفز على التعلم والتكيف مع الواقع أكثر، أي ما يدخل في عالم الحيوان، إنما لا ضمان في رسم الحدود التي تتحرك داخلها الدمية، إذ ما أسهل أن يعثر المرء على مثيل له، على هيئة ذات أبعاد ثلاثة.

وهو يعيش خوف الاتهام بأنه دمية بين يدي شخص ما، في يد طرف ما، أو يكون دمية دون تحديد، وما يعنيه ذلك من تجريد كامل من حقيقة كونه إنساناً، وربما هو نفسه من تسيطر عليه فكرة وسواسية من هذا النوع الآفاتي (فوبيا الدمية)، في حياته اليومية، مهما كان نوع عمله، أو اختلاف موقعه..

إن تنوع العلاقات الاجتماعية، ووفرة المستجدات والتحديات التي يواجهها أي منا، من أبسط المقوّمات ذات الصلة بالنفس في حقيقتها الذاتية: الفردية، والاجتماعية، وما يعنيه هذا الشعور المضاعف بالذات، وكيف أنه وسط هذا الشعور المتلبد، يسعى إلى أن يحيل سواه إلى دمية، أفضل من أن يكون هو ذاته دمية بشكل مباشر، في ميدان العمل، أو عبر التفكير، رد فعل على الصراع الذي يجد نفسه.

وفي الحالتين يكون التفكير في الدمية وعدوى تمثلها، أو تلبيسها من ذات الخانة، وهذا يعني كيفية بذل المقاومة إلى درجة الاستماتة، ليس من أجل التحرر من لوثة التحول إلى دمية، مصدرها توجه اجتماعي ما يكون مساهماً فيه، وإنما في الفصل الكلي بين أن تكون الدمية ائتناساً بالعالم خارجاً قدر المستطاع، وأن تُعزل الدمية قدر المستطاع عن أي تمثيل إنسي، تكون مرآة مشوّهة لصورة الآخر، ولمن يعتمد عليها، وبالتالي لا تشبه الدمية سوى نفسها، وليس أياً كان بإطلاق..!

إبراهيم محمود