الأقنعة كثيرة.. وراءها تختفي الوجوه من الحقيقة، نعم، فللبحث عن الحقائق، لابد وأن نزيل من فوق الوجوه ألف قناع وقناع، حتى لا نعتاد الأقنعة ونتناسى الوجوه والحقيقة.. ولكن من يزيل قناع الآخر؟ هذه هي المشكلة، عندما يختلط الأصل بالزيف في عالم يختبيء وراء الأقنعة.
حتى الإنسان ذاته اغترب عن حقيقته، وشكله وجوهره ومضمونه، فكل لحظة في حال.. وكل حال يحتاج لقناع، بدونه لا يجد الإنسان مكاناً له تحت الشمس، ولكن هناك من لا يحتملون ثقل القناع على وجوههم، وبالحق والمنطق والجمال يواجهون، فتمتد بقع من شعاع الشمس يجدون بداخلها أماكن لهم.. لكنهم قليلون.ولكن إذا تركنا ـ على مضض ـ الإنسان المعاصر وسط عالم شرس يحتاج كل الحيل، وإرتداء الأقنعة، لوجدنا بحق ان للقناع رحلة تمتد وتضرب في جذور التاريخ على امتداد العالم ـ ولكنها رحلة مختلفة تماماً عن تلك التي يعرفها الإنسان حالياً.. انها رحلة يغلب عليها الطابع الأسطوري والفني والثقافي.
فالقارة السوداء ـ إفريقيا ـ لها مع الأقنعة حدوتة تحكى، فالقبائل الإفريقية القديمة عرفت الأقنعة وصنعتها واعتبرتها واحدة من الفنون التي ترمز للقبائل المختلفة ساكنة هذه القارة منذ عصور سحيقة وتعتبرها ـ إذا جاز التعبير ـ فناً من الفنون التشكيلية بلغة العصر الحديث، تتسارع القبائل المختلفة المذاهب والأعراف في إبداع الأقنعة ذات المغزى والمعنى الخاص بالقبيلة ذاتها.فالأقنعة الإفريقية هي نتاج مزيج من ثقافات الفنون والسحر والمذاهب المختلفة، وأيضاً المناسبات التي تمتد على مدار العام، فهناك أقنعة تعكس موسم الحصاد ومواسم الزواج، ومراسم دفن الموتى، وأخرى تعكس بدء الحروب التي تبدأ بارتداء الأقنعة ودق الطبول بعنف لإخافة الخصم الذي بدوره يرتدي أقنعة خاصة به!
وبرغم كل هذا التنوع في الأقنعة الإفريقية، إلا أننا لا نجد اثنين منها متشابهين أو متطابقين، فالخيال الإفريقي يتسم بالثراء والتفرد، خاصة في مجال صناعة الأقنعة، وهي صناعة موجودة حتى الآن تستخدمها بقايا القبائل الساكنة في القارة السمراء التي مازالت تشكل العديد من الغموض للباحثين والعلماء في مجالي «الانثروبولوجي» ـ علم المجتمعات.ومن المعاني الراسخة لدى القبائل الإفريقية القديمة تجاه الأقنعة، إن القناع يمثل استحضار قوى الطبيعة، ومنها ما يوقظ العواطف، وآخر يرمز للسلام، وأيضاً الحروب، بالإضافة إلى أنها رمز من رموز الشجاعة أو الغرور.وللأفارقة طقوس خاصة يرتدي منها الأقنعة المناسبة لمعنى هذه الطقوس، مثل الحصاد، وعندما يبلغ الصبي أو الفتاة سن البلوغ، تقام الحفلات وترتدى الأقنعة وتدق الطبول، ويثقب أنف الفتاة لوضع قرط عاجي فيها كرمز للبلوغ وتمهيداً للزواج.
أيضاً ترتدى الأقنعة لضبط القبائل الخارجة عن أعراف المجموعة القبائلية، وغالباً ما تكون هذه الأقنعة لإلقاء الرعب والفزع في قلب القبائل المتمردة.
أقنعة خاصة بحفلات المولود الجديد، ترتديها أفراد القبيلة ويوضع على وجه الصغير قناع خفيف جداً من جلود الغزال اذا كان المولود أنثى حتى تشب الصغيرة في جمال ورشاقة الغزلان، أما اذا كان المولود ذكراً فيوضع على وجهة بطريقة مؤقتة مثل الفتاة، قناع على شكل وجه أسد ليشب شجاعاً له سلطة وقوة ومقومات الحكم.
وعرفت القبائل الإفريقية بقدرتها الهائلة في التمثيل ـ وإن كان بدائياً ـ تصنع له الأقنعة التي تساعد على فهم التشخيص وفهم مغزى المسرحية، والفن المسرحي، فن قديم في قارة إفريقيا، مازال يمارس حتى الآن بعد أن تدرج إلى الفن الراقي نسبياً.
أقنعة ترتدى في مجالس الصلح ومجالس الرثاء والهجاء، وأيضاً هناك أقنعة هزلية تثير الضحك والسخرية..
ورحلتنا مع الأقنعة مستمرة، لنحط برحالنا، على المسارح اليونانية القديمة التي تضرب في جذور التاريخ، فالمسارح التي يرجع تاريخها لما قبل الميلاد كانت تستخدم شخوصها ـ أي الممثلين ـ الأقنعة المختلفة التي تعكس الشخصيات في إطار العمل الفني المسرحي اليوناني.
وقد برع هذا الشعب بصفة خاصة في المسرح، وإزداد تعبيراً عن طريق إدخال الأقنعة المعبرة سلباً أو إيجاباً عن رموز المسرحية وموضوعها، وكانت الأقنعة المختلفة تساعد الممثلين في ذلك الوقت على تأدية الشخصية وفهمها، وتوصيل الفكرة لجمهور المسرح الكبير، فالشعب اليوناني عاشق لفنون المسرح وكل ما يحيط بها من بعيد أو قريب.
أيضاً كانت الأقنعة المختلفة التي تعكس وجه السيدات في ذلك الوقت يظهر بها الرجال لتأدية وتمثيل دور نسائي، حيث كانت النساء وقتذاك لا يسمح لها بالتمثيل والظهور على المسارح.
ولها مميزات أخرى في المسرح اليوناني القديم ـ فكانت الأقنعة تصنع بطريقة مجوفة بحيث تجسد الصوت وتعكس النبرات الصوتية المختلفة، حيث لم يخترع في هذا الوقت المبكر من تاريخ البشرية مكبرات الصوت «الميكروفونات»، كذلك كانت الأقنعة اليونانية هي بمثابة «الماكياج» حسب الشخصية المؤدية للدور، أيضاً تعكس ملامح الشخصية بدقة بارعة، فشخصية الكسول يعكسها قناع لوجه مسطح متبلد الملامح مترهل، والشخصية المتكبرة ذات الخيلاء تضع قناعاً بأنف معقوف.
ودول أوروبا كانت تستخدم الأقنعة في المسرح والاحتفالات التي تتم في الأماكن المكشوفة، ففي إيطاليا كانت الأقنعة وربما حتى الآن تعكس الشخصيات ذات الوجاهة والفخامة والاتزان، وكانت تصنع هذه الأقنعة الإيطالية من مادة شمعية يمكن الرسم عليها وتلوينها، أو من الكرتون المقوى والمعالج بطرق مختلفة حتى تعكس التجسيد.
ورحلة الأقنعة تثبت حضورها القوي حتى الآن في كل دول أوروبا، ففي المناسبات المختلفة كأعياد الزهور والحصاد، تطوف الشوارع عربات تكسوها الزهور الملونة وعليها ناس يرتدون الأقنعة ويعملون في زراعة الزهور وجني الثمار ذات الألوان الرائعة، واشتهرت ألمانيا بصفة خاصة بمواكب الزهور والفواكه ومواكب أخرى خاصة بعروض مميزة للأقنعة تعكس أجزاء من حقب لتاريخ ألمانيا.
وطريقة تصنيع الأقنعة في المدارس الألمانية هي من المواد الأساسية التي تشتمل عليها حصص الفن والرسم وتاريخها في هذه البلاد العريقة.
وعلى امتداد التاريخ في معظم دول العالم تطورت صناعة الأقنعة فلم تعد تصنع من مواد ثقيلة يرهق لها الوجه، وإنما اقتصر تصنيعها على قماش الحرير المخلوط بأنسجة أخرى رقيقة، أو من الزهور الملونة، ولا تكتسي كل الوجه وإنما جزءاً منه فقط.
والهند وجنوب شرق آسيا، تتميز فيها صناعة الأقنعة من أرقى الخامات وتتداخل في تزيينها خيوط الذهب والفضة والعاج، وبرعت اليابان في صناعة الأقنعة، والتي ترمز بها عن كل فترة من فترات تاريخ هذه البلاد التي مازالت تدهش العالم في كل نواحي الحياة.
وإذا كان فن التجميل «الماكياج» ما هو إلا رتوش من مساحيق تندرج ألوانها لتزيد المرأة جمالاً على جمال يعتبرها البعض ممن يتصفون بالتزمت والوقوف عن المفردات ـ يعتبرونها ـ أقنعة ـ ليس أكثر، ولكنها في الواقع فن من فنون التجميل له أصوله واتجاهاته المختلفة، وتنتشر مراكز ومعاهد تعليمية على امتداد العالم منطلقة من عاصمة النور والجمال باريس.
والماكياج والتجمل الاجتماعي ليس زيفاً وإنما هو نوع من جعل الإنسان شخصيته متكاملة نسبياً حسب معنى التكامل النسبي السائد في المجتمعات باختلافها.
وربما، فيلم «إني لا أكذب ولكني أتجمل»، قصة الروائي الكبير إحسان عبدالقدوس ومن بطولة العبقري أحمد زكي والفنانة آثار الحكيم، خير شاهد على أن بعض الأقنعة «السلوكية» قد تكون ضرورية في مجتمع له محاذيره في العديد من الاتجاهات.
وهناك من يرون في عمليات التجميل أقنعة تخالف الحقيقة، ولكنها في واقع الأمر ضرورية في حالات الحروق أو حدوث بعض التشوهات لأسباب مختلفة، ولكنها ليست بأقنعة بالمفهوم الواضح والمعروف للقناع.
هنا لابد وأن تكون لنا كلمة مع الأقنعة الطبيعية والتي تستخدم في عالم التجميل وصحة البشرة، فهناك أقنعة من الخيار وغيرها من العسل والحليب، وأخرى من عصير مجموعة من الخضروات لتغذية البشرة وحمايتها من التهابات الشمس وارتفاع الحرارة والرطوبة، ومن هنا فهي أقنعة مؤقتة، تترك البشرة صافية صحية، تؤخر مظاهر الشيخوخة للبشرة، ويختزل العديد من سنوات العمر.
وهناك ما يعرف بالأقنعة السلوكية، وهي مجاز عن الأقنعة الحقيقية والخلاف واضح، فالقناع السلوكي يختاره الإنسان ليتصف بالكرم فيكون بارعاً في توظيف ملامح وجهه تجاه الوداعة والتواضع، وهناك أقنعة سلوكية لابد وان يستخدمها كل ما هو في موقع سلطة ابتداء من الأب، حيث يرسم ملامح الحزم حتى يكون في أسرته مهاب الجانب، وغيرها الكثير، فيمكن للإنسان ان يظهر قناعاً سلوكياً معينا، ولكنه نابع من داخله.
وماذا عن الأقنعة في الشعر؟
نماذج كثيرة يستخدمها الشعراء خاصة المعاصرين منهم يتقنعون بقناع التصوف على سبيل المثال، فقد خصص الشاعر فواز حجو «لمحي الدين بن عربي» الذي ولد في مرسية بالأندلس عام 560هـ وتوفي 638 ه، خصص له ديوانا أسماه «إبن عربي يترجم أشواق» اتخذ الشاعر حجو فيه قناع ابن عربي ـ من خلاله تحدث عن بحث الصوفي عن نور الحقائق، كما في قوله على لسان ابن عربي «فهل جاء أهل الغرام حديثي
غداة رأيت بعينيك نوراً يفيض على العاشقين»
نجده وظف الألفاظ الصوفية في شعره قبل النور والحقيقة وغيرهما.
ومن الشعراء المحدثين من أمثال الشاعر السوري «حسين حموي»، وخالد محيي الدين البرادعي، اتخذا من الشاعر الجاهلي «دريد بن الصمة»، قناعاً لهما يقولان الشعر على نهجه.
ويعاود ظهور القناع في الشعر المعاصر بمعناه الفني إلى الخمسينيات من القرن الماضي، وفي النقد إلى الستينات من القرن الماضي أيضاً على يد عبدالوهاب البياتي.
وقد بدا القناع المعاصر وسيلة فنية يلجأ إليها الشعراء والكتاب للتعبير عن تجارب تتصل غالباً بالواقع السياسي لمجتمعاتهم، ولم يكن من السهولة التعبير عنها مباشرة.
وهناك نوع آخر من الأقنعة، لا يستخدمه الإنسان لسبب أو لآخر، وإنما يقع تحت سيطرته دون أن يدري ـ وتفسير ذلك في مجال علم النفس، هو سيطرة الشخصية الأقوى على الشخصية الأكثر ضعفاً، عندما يتخيل الإنسان المريض بالانضمام مثلاً ـ مرض نفسي عصاب ـ يتصور بأن نابليون بونابرت، أو هتلر، فهذه النوعية هي أقنعة تعكس شخصيته بأكملها، ويمكن شفاء هذا المرض ـ الانفصام ـ ولكن بعد رحلة علاجية مطولة يكمن المريض خلالها شهوراً بالمصحات النفسية.
وتعتبر شخصية «البلياتشو» من الشخصيات التي تطل على جمهور المشاهدين في السيرك ـ تطل ـ بأقنعة ملونة باستخدام الألوان والرسومات لعكس شخصيات مختلفة تعيش بيننا، وفن «البلياتشو» قريب من فن الكاريكاتير لأنه مبالغ في إنعكاس ما يقدمه.
ولم يفت عم صلاح جاهين الضاحك الباكي أن يتعرض لفكرة القناع في رباعياته الخالدة والتي تعبر عن فلسفته في الحياة، يسير عليها معظم محبيه، فماذا يقول عم صلاح؟
«بلياتشو قال
إيه بس فايدة فنوني؟
وتلات وقق
مساحيق بيلونوني
والطبل والمزامير
وكتر الجعير
إذا كان جنون
زبوني زاد عن جنوني»
وعجبي!
إنها فكرة الأقنعة التي يضعها الناس، وفي النهاية يصعب فصلهم عنها.. هنا فقط تكون بداية الاغتراب.. في عالم ودع المثل وظهرت ناسه بألف ألف قناع!!
ملحمة مصرية
فيلم «شفيقة ومتولي» بطولة أحمد زكي وسعاد حسني ومن إخراج علي بدرخان سيناريو وحوار صلاح جاهين، يحكي ملحمة مصرية، وتنهي الفيلم ـ بعد العديد من الأحداث السندريلا ـ بأغنيتها الشهيرة «بانوا على أصلكم بانوا» قاصدة الأقنعة البشرية المتغيرة، وقد بكت السندريلا في المقطع الأخير من الأغنية «إبعدوا وشكم عني شوية كفاني وشوش.. كام وش غدر بيا ولا عرفتوش»!
منى مدكور



