لم أر شاعراً معاصراً جمع المفارقات مثل محمود درويش، وهذه المفارقات هي التي جعلت منه واحداً من أهم شعراء القرن العشرين على مستوى العالم، وكانت عاملاً مساعداً لبلوغه هذه المكانة في حياته وموته.

هو شاعر مقاتل بمعنى المفهوم المعاصر نسميه ثورياً، ولكنه لم يحمل بندقية، ولم يتدرب على الكاتيوشا، غير أن إسرائيل كانت تخطط لاغتياله قبل وفاته، فهو إذاً ثائر بمواصفات خاصة يختلف عمن عرفناهم في تاريخنا المعاصر.

ومن خلال معرفتي الشخصية به، ويتفق معي كل من عرف درويش عن قرب أنه ذو شخصية كارزمية متميزة، وذو تأثير شديد على الآخر، لكنه في نفس الوقت هو طفل صغير، تحسه يمتلك براءتهم، وفطريتهم، وعفويتهم، بيد أنه غير ذلك في عمقه المعرفي والإنساني وفي شخصيته الكارزمية. وهذه مفارقة أخرى تضاف إلى مجموع المفارقات التي عُرف بها درويش.

يعتبر محمود درويش شاعراً خرج عن عباءة الإبداع.. عميق في شعره، دقيق في اختيار صوره، ومفرداته، وتركيباته الشعرية، وهو مجدد في حركة القصيدة العربية، ورغم كل هذه العلامات في شعره، إلا أنه يتمتع بقاعدة جماهيرية يفتقدها غيره من أعلام الشعر العربي الذين عاصروه، وتلك مفارقة تجمع ما بين العمق والدقة والمستوى الراقي جداً، وبين هذه القاعدة الشعبية الواسعة.

وأذكر عندما نظمنا له أمسية شعرية في دبي على أثر فوزه بجائزة سلطان بن علي العويس للانجاز الثقافي، حرصنا أن تكون الأمسية في واحدة من أكبر صالات الاحتفالات في فندق معروف، وقد جهز الفندق حوالي 2000 كرسي، واضطر حوالي 1000 شخص للوقوف بعد أن امتلأت جميع المقاعد، وقد عاد من فشل في الحصول على مكان للوقوف عدد لم نستطع إحصاؤه.هذه النجومية الشعرية التي تمتع بها مع بعض رموز الشعر لم تعد موجودة اليوم برحيل تلك القامات الشعرية، أمثال محمد كهدي الجواهري، نزار قباني، عبد الله البردوني، وغيرهم من كان بنفس المستوى.

لم يحقق هذا النجاح الجماهيري من فراغ، أو من طرحه لقضيته الوطنية الفلسطينية، فغيره كثيرون تتعالى أصواتهم تبجحاً بالقضية، لكنه شاعر من نوع آخر، فهو إلى جانب ما ذكرنا من جوانب إبداعاته يمتلك حلاوة الصوت، وفصاحة النطق، وتحسس الكلمة، وحضور على الخشبة، وكأني به عملاق مسرحي، يناطح كبار فناني المسرح في العالم، فهو ليس شاعراً يحترق مع إنشاده، ومنتم لقضيته الوطنية، والإنسانية فحسب، بل هو كل ذلك..

هو إنسان مختلف سميناه محمود درويش.حتى السلطة كانت تغازله وتتقرب منه وهو لا يتقرب منها. وقد رفض أن يكون ضمن أي منظمة سلطوية، وفضّل أن يحمل سلطة الشعر التي هي الأقوى والأبقى حتى بعد الرحيل..

abdulelah_q@hotmail.com