النظرية الأساسية التي يطرحها ارنست رينان في كتابه«أبن رشد» أن هذا الفيلسوف خسر المعركة أمام أصحاب الفكر المتشدد وبالتالي لم تكن لـ «آرائه الفلسفية» أية أصداء في حقبته. وهذا بالتحديد ما يرد عليه علي بن مخلوف ويدعو القارئ إلى إعادة النظر في نص كتاب ارنست رينان عن الفيلسوف الأندلسي من أجل تبيّن ما تضمّن عليه من «ظلال» بل ومن «مغالطات» في بعض الأحيان.
وما يؤكده أيضا هو أن أفكار ابن رشد ترافقت بعدد من «الأساطير» التي بناها حولها المفسّرون الأوروبيون التي لا تزال عالقة بها حتى اليوم. وبالتالي يطالب بضرورة القيام بجهد فكري كبير من أجل «تفكيك» هذه الأساطير و«الفصل بين ابن رشد والأسطورة التي بنيت حوله، رغما عنه». ويفتح علي بن مخلوف هنا قوسين كي يؤكد أن «الأعمال التي تمّت في هذا الإطار منذ خمسين سنة تسمح اليوم بقراءة ابن رشد بطريقة مغايرة لتلك التي قرأه فيها ارنست رينان».
ثم يستدرك مضيفا: «لكن من الهام بنفس الوقت الاعتراف أن التهميش الذي عرفته الفلسفة العربية في التراث الفلسفي للبلدان الغربية تعود جذوره بقدر كبير إلى تلك الحركة الفكرية التي ترافقت مع اسم رينان».
ولم يتردد ارنست رينان من أن يضع أفكار ابن رشد في إطار معركة للعقل في مواجهة التزمت ويشير إلى أن تاريخ البلدان الإسلامية يكرّس انتصار التزمت على أفكار التنوير العقلانية. ويؤكد في هذا السياق أن تأثيره الفكري والفلسفي قد تضاءل، هذا إذا لم يكن قد زال تماما، مع وفاته. وهكذا يكتب صراحة: «عندما توفي ابن رشد عام 1198 خسرت الفلسفة العربية فيه آخر ممثل لها».
ويرى «علي بن مخلوف» أن ارنست رينان ساهم في صياغة ثنائية واجه فيها بين الفكر التنويري لابن رشد وبين الفكر المتزمت الجامد، ليقول إن هذا الأخير قد انتصر مرة واحدة ولعدة قرون تالية. ثم يشير بن مخلوف إلى أن هذه الثنائية هي «أسطورة بنيت ولا تزال تملك حتى الآن قوة جذبها وهناك كُثر يتابعون الدفاع عنها».
ويؤكد بالمقابل أن مثل هذه النظرة هي نتاج للقرن التاسع عشر في عصر رينان وتقدّم لنا الكثير من المعلومات عن تلك الحقبة أكثر مما تقدمه من معلومات حول القرن الثاني عشر في الأندلس وحول أفكار ابن رشد الذي عاش في ذلك القرن.
وتتم المطالبة في هذا السياق بضرورة «تفكيك» هذه الرؤية الثنائية. ذلك أن الدراسات حديثة العهد حول ابن رشد وأفكاره، وأعمّ من هذا حول الفلسفة العربية، تبيّن أنه كانت هناك عملية إبداع فلسفي حقيقي. ثم إن الفيلسوف الأميركي الشهير، الألماني الأصل، ليو ستروس تحدّث طويلا عن مساهمات الفيلسوف الفارابي في شرح مقولات افلاطون عن «فن الحكم»، بل ويرى أن الفارابي أعطى قيمة أكبر لدور البلاغة كوسيلة لمخاطبة عدد كبير من الناس.
وتتم الإشارة إلى أن ما يعيبه ارنست رينان على ابن رشد هو أنه قام بالتعليق على أعمال ارسطو دون معرفته للغة اليونانية. وهذا ما يتم الرد عليه بالقول إنه كان يستخدم «ترجمات حرفية»، وبالتالي لم يكن فهمه تابعا لأي تفسير. هذا فضلا عن أن تلك الترجمات الحرفية ساهمت بالتعريف بأعمال ارسطو. ثم جرت بعد ذلك الترجمة من العربية إلى اللاتينية بنفس الطريقة التي كان ينتهجها المترجمون العرب عندما ترجموا من اليونانية.
الكتاب: ابن رشد
تأليف: ارنست رينان
الناشر: ألفي موناكو 2009
الصفحات: 186 صفحة
القطع: المتوسط
Averroès
Ernest Renan
Alphée- Monaco- 2009
186p.
