يقدم جاك لوسورن في كتابه «الأزمات والقرن الحادي والعشرون» رؤية مستقبلية في فترة تلوح في أفقها عدة تهديدات ليس أقلها التغيّر المناخي وسخونة الأرض والنتائج التي ستؤول إليها الأزمة المالية العالمية.
وضمن هذا المنظور «غير الواضح» يرى المؤلف أنه لا يكفي أبدا جمع الوقائع والأحداث والتهويل والتهديد من الأخطار المحدقة، ولكن لا بد من محاولة صياغة «مفاهيم» تساعد على فهم آليات التطور الممكنة والتمييز بين ما هو «ثانوي» وما هو «أساسي». أما الهدف النهائي من هذا كله فيحدده المؤلف في الوصول إلى «سيطرة أفضل على المغامرة الإنسانية».
القرن الحادي والعشرون ليس كغيره تحت وقع تأثير الهاتف النقّال وشبكة الانترنت وثورة الاتصالات وسلسلة طويلة من الإنجازات التكنولوجية المتقدمة. ثم إن البشرية التي كانت تعدّ 5,1 مليار نسمة عام 1900 يبدو أنها سوف تصل إلى 9 مليارات نسمة في أفق عام 2050 ، أي بزيادة 50 بالمائة تقريبا قياسا بعام 2000.
هذا المنظور «الديموغرافي» يعني أن هناك أزمات «جديدة تماما» تلوح في الأفق وتتأمل بالتالي «تفكيرا جديدا». ولا بد في مثل هذا المنظور من إعادة النظر في مفاهيم أساسية تتعلق ب«المكان» و«الزمان».
يحدد جاك لوسورن عوامل الخوف بثلاث عناصر أساسية : الأول هو نوع من الإدراك المسيطر، إلى هذه الدرجة أو تلك، بأن هذا القرن مختلف عن غيره من القرون. والثاني هو ذلك الإحساس السائد بالقلق، في الغرب خاصة، حيال ما يمكن أن يهز سلّم القيم والقناعات الموروثة من أجيال.
أما الثالث فهو الإحساس لدى الغرب ب«التخلّف» حيال التبدلات السريعة التي تجري ومما قد يدفع أحيانا إلى الهروب نحو ما هو لا عقلاني. ويذكر المؤلف «فئة ثالثة» لأفكار خيالية قد تنتشر في القرن الحادي والعشرين، ويصفها أنها «خطيرة». ذلك مثل القول ب«رفض العلم أو التكنولوجيا» بسبب ما يترتب عليهما من مخاطر، مع ما يتضمّن هذا من «عبث» إذا لا يمكن بدونهما تأمين بقاء 9 مليار من البشر.
أمام مثل هذه المخاطر يقول المؤلف بضرورة تبني «خارطة طريق» تضبط مسار المغامرة الإنسانية خلال هذا القرن الحادي والعشرين. والخطوة الأولى هي محاولة استقراء أنماط الأزمات والتحديات التي يمكن أم يحفل فيها القرن الحالي والتخلي الكامل عن أوهام إمكانية تقديم إجابات كاملة متكاملة والحذر من الإيديولوجيات وإدراك ما يمكن للمعتقدات أن تقدمه من إجابات فردية منقذة والعمل على إعداد نوع من «الكود» الأخلاقي ذي الطابع الكوني بجيث يستجيب إلى متطلبات الفترة، هذا مع إعطاء أولوية كبيرة للنضال ضد التغيّر المناخي الذي يستدعي بالضرورة تعاونا على الصعيد العالمي.
يتوقف جاك لوسورن عند ظواهر التطور الديموغرافي الكوني والتبدّل المناخي ومسائل الطاقة والتغذية والمياه. فهذه كلها يمكن أن تثير أزمات حقيقية اعتمادا على العديد من المعطيات والدراسات والإحصائيات.
وكذلك بحث «خليات النمل البشرية» ومعالجة ظواهر يمكن أن ترافق تطور الدول والمجتمعات والحضارات، وتأثير هذا كله على تطور الديمقراطية والأسواق والأزمات التي يمكن أن تواجهها. ويتحدث في هذا الإطار عن إمكانية «الانتقال من الجمعيات ـ بالمعنى الإنساني الراهن- إلى صيغ المافيات».
ويدرس جاك لوسورن بعين فاحصة ما ستؤول إليه الصين «بعد استيقاظها» والهند «أكبر ديمقراطية مكتظة بالسكان في العالم» واليابان «المحصورة بين المحيط الهادئ ـ الباسفيكي ـ والقارة الآسيوية»، والولايات المتحدة «التي تسير نحو الانحطاط، ونحو أن تصبح قوة إمبريالية» وأوروبا «التي تلج دروب الحكمة»، وروسيا «بين الإذلال والتجديد»، و«ماذا عن بقية العالم»؟ يسأل المؤلف ويحاول الإجابة.
الكتاب : الأزمات والقرن الحادي والعشرون
تأليف: جاك لوسورن
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2009
الصفحات: 346 صفحة
القطع: المتوسط
Les crises et le XXIe siècle
Jacques Lesourne
Odile Jacob- Paris- 2009
643p.
