تضم هذه المجموعة الأخيرة والرشيقة من قصص الكاتب الأميركي جون أبدايك، والتي تفصلها تسع سنوات كاملة عن آخر مجموعة قصصية صدرت له، قصصاً تدور حول أجواء مغيبية، ويتحرك أبطالها من خلال توازن حرج على حافة هوة الشيخوخة، ويواجهون الاحتمال المطبق عليهم المتعلق بدنو الموت، فضلاً عن ضرورة معالجة الإحساس اليومي بالعزلة المتفاقمة، الذي يأتي مع القوى الطاردة وفي مقدمتها الزمن الذي يفرق بين أبناء العائلة الواحدة ويقلص عدد الأصدقاء الذين يمكن التواصل معهم.
دعنا نأخذ على سبيل المثال فيرتشايلد، بطل إحدى قصص هذه المجموعة التي ابدعها أبدايك، الذي رحل عن عالمنا في يناير الماضي، حيث نجد أنفسنا مع سيد مهذب موغل في العمر يتعرض للسرقة والاعتداء عليه خلال رحلة يقوم بها في اسبانيا. ومن المدهش حقاً أنه يجد ضجيج هذه التجربة داعياً للقوة والحيوية على نحو غريب.
لكن لماذا تدخل هذه الحادثة التي يجافيها الحظ السرور على نفس فيرتشايلد؟
إن الإجابة تأتينا من خلال نثر أبدايك المحكم في القصة نفسها «افترض أن الأمر راجع إلى عنصر الاحتكاك. ففي كونه القائم على الامتداد المتسارع غداً يتمتع بقدر متزايد في تناقصه من الاتصال. لقد تقاعد من العمل، ففقد الاتصال بزملائه القدامى، الحافلين بالوعود الاجتماعية». وقد كبر أبناؤه وابتعدوا كثيراً، أما أحفاده فيبدون «اهتماماً مهذباً» فحسب بما يمكن أن يقدمه لهم. ومجموعته التي كان يمارس معها لعبة البوكر واجهت صعوبات في تجميع خمسة لاعبين. ومجموعته من لاعبي الجولف التي تضم أربعة لاعبين «توزعت ما بين المرض وفلوريدا إن لم يكن القبر».
ويدرك فيرتشايلد حقاً أنه «قد تحول إلى جزيرة معزولة. ولو أنه تعرض لأزمة قلبية أو لانهيار في السوق المالي لترك متشبثاً بالهاتف بين شلالات متألقة من موسيقى فيفالدي، أو على نحو مهين أكثر ترتيبات من الموسيقى الوترية من نوعية موسيقى البتيلز القديمة تملأ فضاء انتظار البائع المتجول التالي».هذا الأمر نفسه يمكن أن يقال عن الجميع، الأبطال الآخرين في هذه القصص المتشحة بأجواء المغيب والمرثيات.
وبطل قصة «أركيولوجيا شخصية» يجد نفسه وهو يملأ وقت الفراغ المتزايد الذي يهيمن على أيامه بتحقيق مكثف في حياة من سبقوه إلى امتلاك أرضه.
أما بطل قصة «الطريق إلى الدار» فيزور بلدته القديمة في بنسلفانيا التي نشأ فيها، لا لشيء إلا ليدرك أنه لم يعد يتعرف الطبيعة فيها، وأن زملاءه في الصف الدراسي سيضطرون إلى اقتياده «شأن أحمق من خارج المدينة إلى مرآب» فندقه.
وبطل قصة «الشيخ» يبتهج «لتذوق حماقة الشهوة من جديد» عندما يغازل سيدة جميلة في مجموعة سياحية كان هو وزوجته قد انضما إليها في الهند، لكنه يدرك فجأه أنه في عمره المتقدم فإن «الشكل المعتم الذي يرقد عليه» يناسبه تماماً وأن ذلك الشكل هو شكل «جثمانه في المقبرة».
وعلى الرغم من أن هؤلاء الأبطال لهم أسماء ووظائف مختلفة، شأن رواة العديد من قصائد ديوان «نقطة النهاية» لأبدايك الصادر بالتزامن مع هذه المجموعة، إلا أن من الواضح أنهم بمثابة تنويعات على المؤلف نفسه. والكثير منهم يشترك في تفاصيل متعلقة بسيرة الحياة مع المؤلف العتيد، مثل الانتماء إلى بلدة صغيرة عاش فيها طفلاً وحيداً يحظى بالإغرار، والهرب إلى كلية نخبويه في نيو انجلاند، والزواج المبكر، الذي يعقبه إنجاب ابناء، والافتراق، وانطلاق، ثم يلي ذلك زواج ثان.
والكثير من هؤلاء الأبطال يشتركون مع المؤلف في الرؤية الوجودية ذاتها والانشغال بالموت، على نحو ما نجد عند هاري انجستروم وهنري بيك والكثير من شخصيات المؤلف الأخرى.
يتوق هؤلاء الرجال إلى بعض الثقة الدينية أو الروحية التي تتجاوز كونها «ذرة غبار مقدر لها أن تعرف أنها ليست إلا ذرة غبار». وهم يقلقون حيال أن «الحياة حيلة بائسة»، بينما «الموت حقيقي، مظلم وهائل». وهم يجدون أنفسهم، حتى وإن أوغلت بهم مسيرة العمر، وقد تمزقوا بين الحياة المنزلية وبين الحرية، المسؤولية وتحقيق الذات، بين «وحش الحب» المتعلق بالجنس والتأمل المنعزل.
وفي حقيقة الأمر أن هذا المجلد الأخير من قصص أبدايك يعد، في العديد من الجوانب، بمثابة «مسند كتب» مدهش لمجموعته الصادرة قبل خمسة عقود بعنوان «ريش الحمام» والتي كانت بمثابة إعلان من جانب مؤلفها الذي كان في الثلاثين من عمره آنذاك عند اكتشافه لصوته الذي يستعصي على التقليد. وتتردد في المجموعتين أصداء الموضوعات ذاتها، مثل استحضارات الطفولة والشباب في بنسلفانيا، وتذكر حبيبات سابقات وانسحاقات وضروب قلق لم يتم استيعابها، وكما عبر المؤلف في مجموعته العائدة إلى عام 1962 أن الموت يندفع نحونا «مثل قطار سريع». وهذه الموضوعات ذاتها تقدم، بتنويعات محدودة، في القصائد الأكثر اتساماً بالطابع الشخصي التي يقدمها ديوان «نقطة النهاية».
والفارق الرئيسي هو أن أبدايك في مجموعته «دموع أبي» وديوان «نقطة النهاية» يتطلع إلى الوراء مطلاً على ماضيه من مسافة أبعد، من خلال تلسكوب، وليس من خلال نظارة معظمة. وتأملاته فيما يتعلق بطفولته التي كان مولعاً فيها بالرسم وصداقته مع تلاميذ مدرسته وصديقاته وزوجاته وخليلاته تعطي على نحو أقل إحساساً بأنها جهود تبذل لاستعادة الماضي، وتبدو أقرب إلى جولات نهارية في رحاب هذا الماضي، توقيعاً على أوتار الذاكرة يقوم به رجل موغل في العمر، يذكر نفسه بالعاطفة التي استشعرها ذات يوم حيال فتاة، والأسى الذي أحسه حيال فرصة مهددة.
ويلفت نظرنا حقاً أن أبدايك يكتب على امتداد هذه المجموعة بالثقة التي يحس بها كاتب يتملك تماماً أدوات إبداعه. وهو بدلاً من أن يدفع نفسه على نحو مرتبك إلى أرض جديدة أو بدلاً من الاستغراق في تجارب للكتابة الإبداعية، على نحو ما فعل في قصص مبكرة، نراه هنا يلتزم بما يتفوق فيه، أي تخليد ما هو عادي وإلقاء الضوء على المباهج والأحزان والحيرة المألوفة في حياة الطبقة الوسطى المقيمة في ضواحي المدن الأميركية، التقلبات الهادئة للحياة الإنسانية فيما شمس القرن العشرين تغرب على مهل والتقلبات العنيفة لصدر الألفية الثالثة.
الكتاب: دموع أبي وقصص أخرى
تأليف: جون أبدايك
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 292 صفحة
القطع: المتوسط
