العلاقة الوثيقة التي تربط بين اللون والحرف هي موضوع كتاب «فاتح وأدونيس»، إذ يقوم فيه أدونيس بدور المحقق الصحفي المجتهد الذي يسأل المدرس، ليقوده، أحيانا، إلى مناطق شائكة ووعرة حول الطفولة والهوية وطبيعة الفن، وحول الذات والآخر، ومدى الاختلاف والائتلاف بين الشعر والتشكيل، وقضايا وأسئلة أخرى كثيرة يجتهد المدرس في الإجابة عنها رغم تذمره من بعض تلك الأسئلة الفلسفية العميقة التي لا تلقى هوى لديه.
وهذا ما يشير إليه أدونيس في مقدمة الكتاب: «كان فاتح مأخوذاً بألق الحياة وسطوعها، فيما كنت أميل إلى الغوص في معنى الحياة». يتعرف المتابع في الكتاب على آراء المدرس حول الفن واللون، وحول المرأة والموت والفرح والكآبة، حول أمه وأخواله الأكراد، حول الذاكرة والنسيان، وحول أدوات التعبير والإتقان والتفاني في العمل الفني...إلى غير ذلك من المسائل المتصلة بماهية الفن والتصاقه بالحياة، عبر حديث عفوي شفاف مفعم بالصدق والتلقائية، وهذا ما يؤكده أدونيس، إذ يقول: «لا منهج غير البحث والتساؤل. لا غاية إلا الكشف والضوء. كان حديثنا عفويا، وحرا. نقول أحلامنا وأفكارنا».هذه الأريحية في المناقشة وتبادل الرأي، فتحت الباب واسعا أمام الاختلاف في وجهات النظر، والتباين في الرؤى والمواقف، رغم احترام كل منهما لرأي الآخر.
ولعل الاختلاف الأبرز يتمثل في نفور المدرس من النظريات الفلسفية والمحاكمات العقلية الصارمة، إذ يقر في هذا الحوار «أنا لم احترم العقل في حياتي. أنا اعتبره مجمع قاذورات وتحكمه أشياء في منتهى السوء.
أنا اعتمد الحدس وأرحم المخطئ»، بينما ينطلق أدونيس من موقع مغاير تماما، فهو يغرق في طرح الأحكام الفلسفية، المنطقية، ويمضي بالحوار نحو ضفاف التهويم، وفضاء الميتافيزيقيا، محاولا القبض على جذوة الإبداع لدى المدرس بأكثر المفردات رصانة ودقة. بين هذا المنحى الفلسفي، وبين ذلك الحدس التلقائي يولد نص مشبع بالأفكار والآراء والانطباعات الوجدانية يتبادل خلالها فاتح وأدونيس الأدوار، للوصول إلى صياغات، ومقولات عميقة تجسر الهوة، حينا، بين اللوحة والقصيدة، وتوسع تلك الهوة، حينا آخر.
ويضم الكتاب في القسم الأخير ملحقا يحوي عدة رسائل كان قد أرسلها المدرس في مناسبات مختلفة لأدونيس، وهذه الرسائل، بدورها، تغني محاور الكتاب، وتفصح عن آراء المدرس بشكل موضوعي؛ هادئ بعيدا عن سطوة الأسئلة، إذ يتساءل المدرس في إحدى رسائله: كيف يستطيع الفنان إنجاز عمل فني في عالم لا أخلاقي؟، وفي رسالة أخرى يتحدث عن فهمه للون إذ يكتب «إن اللون الأسود لا يمكن لأي فنان أن يقول انه ملكي وخاصتي لأنه بكل بساطة ليس لونا. هو اثر.
أما اللون الأصفر، يا عزيزي أدونيس، فهو الطفلة اليتيمة التي عثرت عليها الشمس بين حقول الزعفران، لكنها عندما كبرت ثبت أنها غير صالحة للزواج والإنجاب، ولذا أصبح شعاراً لسراويل الفلاحين في بادية حلب، وأردية لرهبان فييتنام وكمبوديا والتبت. وسأحدثك عن الأخضر في رسالة قادمة لأنه قاتل لجميع فناني القرن بمن فيهم ماتيس».
ورغم أن غلاف الكتاب جاء أبيض منطفئا، بلا أي تزيين، إلا أن الصفحات الداخلية تحوي لوحات ملونة عدة للراحل المدرس، وهي لوحات تعود إلى تواريخ مختلفة، تعبر إلى حد ما عن تطور مسار تجربة المدرس التشكيلية.
الكتاب: فاتح وأدونيس
تأليف: حوار مع المبدعين
الناشر: غاليري أتاسي دمشق 2009
الصفحات: 158 صفحة
القطع : المتوسط
إبراهيم حاج عبدي

