يهتم محمد جديدي في كتابه «الحداثة وما بعد الحداثة» بفلسفة ريتشارد رورتي، بوصفها نموذجاً للفلسفة الأميركية، وتعرف اهتماماً متزايداً ليس في أقسام الفلسفة فحسب بل في أقسام الإنسانيات، لكن الفيلسوف ريتشارد رورتي لا يزال مجهول نسبياً بالنسبة لدارسي الفلسفة وطلابها في الوطن العربي.
لذلك يقدم المؤلف الفلسفة في أميركا كتساؤل يفتتح به النقاش بصورة عامة قبل أن ينتقل إلى البراغماتية كتيار بارز في الفلسفة الأميركية. ثم يتناول مسيرة رورتي الفلسفية، بغية تسليط الضوء على جوانب من شخصيته ومن مسيرته الفلسفية وفق ما تستوجبه الضرورة المنهجية والمعرفية لموضوع وإشكالية البحث. ارتكزت فلسفة ما بعد الحداثة على نقد الحقيقة، فيما ارتكز الفكر في علاقته الشائكة بالواقع على محاولة إقرار الحقيقة الدائمة النهائي، لذلك اتجه العصر الكلاسيكي مثلاً إلى العقل وصرامته كي يبين كيفية تجلي الحقيقة، وجاءت فلسفة الطريقة عند ديكارت وعند لايبنيتز استتباعاً لذلك. ويبدو أن غياب الأفق الكوني والتحرر العام يسمح لإنسان ما بعد الحداثة بالتأكد من نهاية فكرة التقدم والعقلانية والحرية. وأهم مظهر من مظاهر فشل الحداثة هو أن نصف البشرية يواجه التعقيد، والنصف الآخر يواجه المجاعة، وأن الحروب التي عرفتها البشرية، تركت الإنسان يعيش بلا أوهام أو أساطير، أو وفقاً لتعبيره من دون نصوص سردية كبرى أو ميتا سردية.
وفي جانب التحليل الاجتماعي لما بعد الحداثة الذي أنجزه بعض علماء الاجتماع، فإن ما بعد الحداثة توصف بالفراغ الاجتماعي والسياسي والنفسي، الذي يفضي أو يدفع نحو العدمية، التي تتخذ شكلين: عدمية مرضية، وأخرى عدمية إيجابية تنتمي إلى تلك العدمية التي أسسها نيتشه، وهي عديمة دائمة ومستمرة، تظهر في أشكال اللامبالاة القصوى التي يعرفها الجنس البشري إزاء الأحداث الكبرى في التاريخ.
ويتناول محمد جديدي تصور رورتي للفلسفة من دون الفلسفة أو للبراغماتية من دون منهج وللأخلاق من دون مبادئ وللعالم من دون ماهيات وجواهر وللحقيقة من دون مطابقة. وترتب عن ذلك نقد للابستمولوجيا وتخلي الفلسفة تدريجياً عن المعرفة كموضوع مركزي لها، لتلتفت ناحية اللغة وتتبناها كموضوع أساسي إلى درجة الحديث عندها على منعرج هو المنعرج الفلسفي.
وهذا المنعرج لم يمرّ بالطبع من نقاش وما خلفه من جدل أحقيته بالاستحواذ على مباحث والارتكاس نحو أخطاء المعرفة في فترات سابقة على القرن العشرين، لذا فقد ساهم هذا النقاش في انبثاق علوم اللغة والمرجعيات اللغوية، وبتعبير جاك دريدا الموجز أصبح كل شيء ينظر إليه على أنه لغة، فكان تبعاً لهذا أن استبدلت الابستمولوجيا بالهيرمينوطيقا، وصارت الحقيقة ليست غاية للمعرفة، وإنما تابعة لفكرة الخطاب والتأويل والمنطوق والاستعمال الجيد والمفيد.
وأخيراً، يجب التساؤل عن الأثر الذي تركه رورتي في البنية الثقافية الأميركية في عصرنا الراهن. إذ يبدو أن مشروعه الفلسفي قد تعثر، بشكل أو بآخر، استناداً إلى التخبط الفكري الذي تشهده الولايات المتحدة الأميركية اليوم. لكن مثل هذا التصور لا يبدو صائباً بالكامل، حيث نجح هذا الفيلسوف الكبير في أن يرسي دعائم قوية ومستمرة لأجيال من المثقفين الأميركيين يستلهمونه في قراءتهم لأحوال الولايات المتحدة وأحوال سواها من بلدان العالم.
الكتاب: الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي
تأليف: محمد جديدي
الناشر: الدار العربية للعلوم بالاشتراك مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتومبيروت 2008
الصفحات: 480 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش

