يوحي عنوان كتاب « نهاية الأصولية» لمؤلفه فرج العشة بالنسبة للقارئ بأفول ظاهرة الأصولية التي هيمنت على المشهد السياسي العربي والعالمي طوال أكثر من ربع قرن مضى كان أخطرها العنف المسلح الذي مارسته ما يستلزم طرح سؤال آخر حول مستقبل الإسلام السياسي الذي قدم نفسه على أنه البديل عن القوى السياسية القومية والماركسية والليبرالية التي أثبتت فشلها فكان شعارها المعروف الإسلام هو الحل تعبيرا عن طابعها الإيديولوجي السياسي الذي أرادت فرضه بالقوة والعنف.
يبحث المؤلف في الفكر الذي طرحته حركات الإسلام السياسي بشقيها المتطرف والمعتدل محاولا قراءة مضمون الخطاب الأصولي ومنطقه الشمولي بهدف تفكيك بنيته الأبوية الاستبدادية وتصورات مشروعه الإيديولوجي وبرامج عمله السياسي وصولا إلى الكشف عن مظاهر تقنعات الإسلام السياسي بالدين، والأساليب التي يتبعها للوصول إلى السلطة، سواء من حيث محاولتها إضفاء الشرعية على وسائل العنف التي تعتمدها لتحقيق هذا الهدف، أو من خلال إعلان الإيمان بالوسائل الديمقراطية لتحقيق غايتها، في حين تخفي في عمقها الإيديولوجي ثوابت مشروعها السياسي الذي يتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع ما يشكل تناقضا واضحا مع معطيات العمل السياسي الحديث والديمقراطي الذي يقوم في أساسه على نسبية الحقيقة والتسامح بالمعنى الأخلاقي والاجتماعي والاعتراف بالآخر المختلف على قاعدة حقوق المواطنة المتكافئة بين جميع المواطنين.
وبعد أن يقارب مفهوم الأصولية منهجا ورؤية وممارسة يتوقف مليا عند نظرة الأصولية إلى الغرب، ونظرة الغرب إليها ثم يناقش تجربة الإسلام السياسي في إيران وما يشكله التناقض من تصادم بين الشرعية التي يتمتع بها الولي الفقيه الثوري ورئيس الدولة المدنية. كما يقارب ظاهرة الإسلام السياسي في الجزائر ومنسوب الدم الفائض عندما كشفت الأصولية عن مكنونها الدموي القابع تحت شعارها الرائج الإسلام هو الحل .
ويكشف الباحث محاولات تسيس الدين وتوسل وسائل مخادعة للوصول إلى السلطة باسمه وذلك من خلال مناقشة أطروحات الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في تجميل حاكمية التغلب الغيبية الوثوقية التي تكمن في بنية الاستبداد الشمولي.
ومن خلال البحث في بنية خطاب الاستبداد الشمولي ينتقل إلى إجراء مقارنة بين بنية الاستبداد في إيديولوجيا الإسلام السياسي والإيديولوجيا الشيوعية في محاولة للكشف عن المصدر الذي تمتح منه هاتان الإيديولوجيتان فكرهما الشمولي بحيث يغدو لا فرق بين الأخوان والرفاق إلا في طقوس الامتثال ومسروداته العامة.
كذلك يعرض للظواهر الأصولية المختلفة التي تظهر هنا وهناك في العالم والتي تحركها أفكار مختلفة وتنتهج أساليب متعددة وإن كان يجمعها عنصر مشترك هو البعد الديني الذي تنهض عليه ومحاولة الوصول إلى السلطة بتعبيرات واعتبارات وتصورات دينية يتم تأويلها وفق مقتضيات الحال وبذلك تكون الأصولية الإسلامية والأخرى المسيحية قد قامت على فكرة التأصيل الشمولي والتفسير الذاتي دون أن تختلف الأصوليات الدينية الأخرى وغير الدينية كالفاشية والنازية عن ذلك.
ويرى الباحث أن ما يجمع كل الأصوليات الدينية هو المنطق نفسه في تأويل الدين وحرفه عن غايته وأصله الأصولي الروحي كشأن إيماني خاص وقيم أخلاقية إنسانية وممارسة إجتماعية للطقوس والشعائر . لكن ما يميز حركات الإسلام السياسي هو التناقض فيما بينها وتكفير بعضها للبعض الآخر وحتى التقاتل تحت ذريعة أن كل طرف يعتبر نفسه المرجع والتمثيل الصحيح للنص الديني.
ويتناول واقع الإسلام السياسي بعد أحداث 11 سبتمبر وما ترتب عليها من حرب أميركية انتقامية. وفي ضوء هذا الواقع الجديد يحاول فرج العشة الإجابة عن سؤال يطرحه يتعلق بمدى قوة حضور ظاهرة بن لادن في أذهان الشبيبة الإسلامية، وبالعلاقة التي يمكن أن تكون بين العداء لأميركا والعداء للحداثة وقيمها الجديدة.
لكنه قبل الإجابة يبيِّن القيم الثورية التي جاء بها الإسلام والذي اعتبر العقل ملكة مكرمة ما جعل متوالية العقل الإسلامي الحضاري تشكل الطاقة الإبداعية المحركة للحضارة الإسلامية التي قدمت للبشرية الكثير من الإنجازات العلمية في ميادين العلوم المختلفة ، ليخلص منها إلى تأكيد الحاجة راهنا للدفع بدعوة التنويريين الأوائل إلى مداها الضروري نحو امتلاك الشروط الضرورية للاستجابة لتحديات العصر باعتبارها تحديات بنيوية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.
الكتابِ : نهاية الأصولية ومستقبل الإسلام السياسي
تأليف : فرج العشة
الناشر: رياض الريس للنشر بيروت 2009
الصفحات: 219 صفحة
القطع: المتوسط
مفيد نجم

