أعادت صحيفة «غارديان» اللندنية نشر هذه المقابلة التي تعد، تقليديا، المقابلة الأخيرة التي أجريت مع الكاتب الأميركي جون أبدايك قبيل رحيله عن عالمنا، وذلك بالتزامن مع صدور آخر مجموعة قصصية له، والتي تحمل عنوان «دموع أبي وقصص أخرى»، حيث تضمنت إشارة مدهشة إلى الأفكار التي كانت تساور المبدع الأميركي حول الرحيل عن دنيا الناس إلى العالم الآخر، وتطرق فيها أبدايك إلى آرائه فيما يتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما القيام به لتجديد صورة أميركا المتهالكة على امتداد العالم، كما أشار إلى روايته «أرامل إيستويك» التي تعد بمثابة جزء ثان لروايته المبكرة «ساحرات إيستويك». وفيما يلي نص الحوار:
كانت عيناه تتألقان، وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه، فيما شعر الأشيب تشكل صدمة شتائية لمن يتأمل ملامحه الحادة. أضاف: «إنك تؤلف كتاباً، وهذا يولد متطلبات، مثل إجراء هذه المقابلة، وذلك على الرغم من أنني واثق من أنها ستكون مبهجة تماماً».
غير أن أبدايك ما كان يمكن إلا أن يلوم نفسه على المتطلبات العديدة التي يثقل بها قراؤه والمعجبون به كاهله. وهو يقول في هذا الصدد: «عندما بدأت الكتابة، قبل خمسين عاماً، كان أفضل كتابنا يقضون فترات طويلة عاكفين على التأمل في صمت، ثم يصدرون مجلداً ضخماً ويعودون إلى السكون من جديد لخمس سنوات أخرى. وقد قررت الانطلاق في مسيرة من نوعية مختلفة وفق النموذج الانجليزي إذا صح التعبير، مع تقديم الإنتاج بوتيرة أكثر انتظاماً، ولنقل بمعدل كتاب كل عام».
وقد ترتب على ذلك أنه كان يعكف على تأليف كتب تنضم إلى سابقاتها في صف ممتد انتظاراً للنشر. ومن هنا فإن القراء على موعد مع مجموعته الجديدة «دموع أبي وقصص أخرى» التي تسبق في النشر رواية تدور في أجواء تردد أصداء العهد الروماني. وفي غضون ذلك ينشغل القراء بالعكوف على قراءة روايته «أرامل إيستويك» والتي تعود فيها الساحرات اللواتي ظهرن في روايته «ساحرات إيستويك» الصادرة عام 1984 ليقمن بجولات في مصر والصين قبل القيام بالمدينة الساحلية في نيو إنجلاند اللواتي يحاولن استعادة قوتهن الرهيبة تحت آفاقها.
يتنهد أبدايك قائلاً: «أعتقد أن الأجزاء الثانية من الكتب تعد حتمية بالنسبة للكتاب الذين ينتمون إلى مرحلة عمرية معينة، فعندما قرأت الكتاب الأسبق توقفت عند مدى ثرائه وديناميكته، إذا جاز لي أن أقول ذلك، من خلال طاقة النساء وسحرهن. وهن الآن أكثر شحوباً وأشد غياماً، فهن في نهاية المطاف حيزبونات. وقد كان ذلك تحذيري الموجه إلى مناصرات الحركة النسوية.
حيث إن دعاة السلام في الستينيات زعموا أنه إذا تولت النساء السلطة، فسوف يتصرفن على نحو أفضل من النساء، وسيكن أكثر رقة ولطفاً. ولو أن ذلك كان صحيحاً فكيف يمكن تفسير سلوكيات جولدا مائير ومرجريت تاتشر؟ والآن تحاول ساحراتي التوبة عن بعض الضرر الذي كن قد أحدثنه في السابق.
ذات مرة تحدث أبدايك مع صحافي أجرى مقابلة معه عن الكيفية التي ينظر بها إلى شخصياته وكأن النسيم يهل عليه وهو يتأملها من عل وهو يرتب مستقبلها، الأمر الذي يعطيه الانطباع بأنه يطير. ومن المؤكد أن السحرة سواء أكانوا رجالاً أم نساء يساورهم هذا الشعور نفسه. فهل هو شخصية أكبر سناً على غرار هاري بوتر؟
يقول أبدايك إن رولينغ، مؤلفة روايات هاري بوتر، قد أعادت بالتأكيد السحر إلى أذهاننا، على الرغم من أنه كان موجوداً هناك على الدوام. وما يثير اهتمامي هو السر في أن الرجال يفكرون في النساء على أنهن ساحرات ويرجع ذلك إلى كونهن فاتنات للغاية ومختلفات تماماً، فهناك هوة نفسية كبيرة بين الجنسين، ويقفز الدافع الإيروتيكي عبر تلك المسافة، مثلما الشرارة الإبداعية. وربما كان ذلك هو ما قصدته عندما تحدثت عن الشعور بأنني أحلق عالياً.
في روايتي إيستويك يعد السحر طريقة أبدايك في تحرير فوضى الطبيعة التي قمعتها القوانين العلمية وفرضت عليها الانضباط، فالسحرات يقدسن «الطبيعة الأم». والعاشق، الذي يشتركن في حبه في الرواية الأولى، يوقر هذه القوة فيما هو يعيش معهن في مسبح حار، وهو يبدي دهشته حيال خصوبة الجسم الأنثوي، القادر على حمل وولادة حياة جديدة. وهذا التقدير للخلق والإبداع هو تقدير جمالي وكذلك تقدير روحي.
قلت لأبدايك إن كلاً من أوباما وما كين قد أورد اسمه باعتباره الكاتب. المفضل لديهما. فرد: هل فعلا ذلك. لقد كنت أعتقد أن أوباما يعكف على قراءة الفيلسوف هيجل وليس على قراءة الروايات ولست أتخيل ماكين وهو يقرأ أي شيء.
طلبت من أبدايك أن يحدد كتاباً واحداً من أعماله يوصي بأن يقرأه المرشحان للوصول إلى البيت الأبيض، فأمضي لحظات في تآمل قائمة الكتب، التي تشمل، في نهاية المطاف، 23 رواية ودزينة من مجموعات القصص وعدداً مماثلاً من المجلدات التي تضم مقالات نقدية ونصف دزينة من الدواوين وخمسة كتب للأطفال ومسرحية وسيرة حياة ذاتية، وأخيراً خرج من تأملاته مبتسماً.
قال: أوصي أوباما بأن يقرأ رواية تحمل عنوان «الانقلاب» وهي تدور حول بلد إفريقي خيالي يحكمه دكتاتور يتظاهر بكراهية أميركا، بينما أمضى دراسته الجامعية فيها.
والحياة السياسية في ذلك البلد منسوجة على غرار ما يجري في ليبيا. والنكتة هي مدى الاختلاف الكبير بين هذه الشخصية وبين أوباما. أما فيما يتعلق بماكين فإنه ينبغي أن يقرأ رواية أخرى، هي «ذكريات إدارة فورد» وهي تدور حول بلد إفريقي خيالي يحكمه دكتاتور يتظاهر بكراهية أميركا، بينما أمضى دراسته الجامعية فيها. والحياة السياسية في ذلك البلد منسوجة على غرار ما يجري في ليبيا.
منى مدكور
