تقدم «ثواني الرحيل» شيئا من الاختزال المهم، فهناك اقتصاد كبير في عدد الشخصيات، واقتصاد في الاحداث المتنوعة والاعتماد على مشهدية واحدة، ومكان واحد في الواقع المتخيل. ويبدو ان هذه الاختزالية هي التي افادت في انقاذ المقولة التي سبق وان بعثتها اعمال مسرحية عديدة، فالاختزال في النهاية يذهب إلى النتيجة النقدية المعروفة، كلما ضاقت العبارة كبر المعنى، وهو ما حدث فعلا في «ثواني الرحيل»، فكثير من الاختزال شكل بؤرة صالحة للتركيز فتحققت كثير من شروط الفرجة.. فنجحت كعرض يتسع لممارسة التأويل وقبول الرمز الذي يتعامل به.

في مواجهته للشخصية الغريبة التي اقتحمت عليه مكانه، وأمام توجساته منها، ومن مناخ الشيفرات التي يرسلها نص «ثواني الرحيل»، ودفاعا عن الحبل الذي يعلق عليه الملابس يقول صاحب مغسلة الملابس: كنا نركض ونلهو على سواحلنا الجميلة، ونرسم أحلامنا على تراب البحر، وبعدها يبحر خيالي إلى البعيد وارفع عيناي إلى السماء، فأملؤها بزرقة الكون وأنغام النوارس تملأ ذلك الفضاء، كنا نرمي عليه ما علينا، فيستقبلنا بصدر رحب، فنضع الخير والشر عليه، ونضع الحب والحقد عليه، والفرح والهم، الحلو والمر.وفي اليوم التالي أقوم بغسلها وتنظيفها من كل الشوائب، كنت استمتع وأنا أشاهد الشوائب تتساقط من الملابس قطرة قطرة، وترجع أنيقة ونظيفة استعدادا ليوم جديد وهكذا، أما الآن فلا جدوى من حراسة هذا الحبل، لان عقارب ساعتي بدأت تدور بالعكس، فأصبحت الساعات تسبق الثواني وهي تدور وتدور حتى مرضت، آآآآه يا ساعتي الحبيبة، كم اشتقت لثوانيك الجميلة فكل ثانية بتكة.

وكل تكة بحلم جميل حلمناه عندما كنا صغارا كنا نتصور عندما نكبر سيظل هذا الحبل شامخا ورمزا من رموز هذا المكان، ولكن للأسف، فالأحلام لا تتحقق دائما، رغم قربها من حافة الطريق.. كبرنا وشاهدنا الحبل من زاوية أخرى فوجدنا الحبل أصبح لا حول له ولا قوة، يوشك أن ينقطع، فكل من يمر بهذا المكان يعلق سترته لبرهة، ثم يأخذ سترته ويغادر المكان بعد أن يدنس طهارة هذا الحبل. خلف رداء الليل منتشرين كالجراد، من ملابسهم الأنيقة ورائحتهم النتنة تعرفهم، يلعبون ويلهون هنا وهناك والسوط بأيديهم، يجلدوننا ونحن نضحك..

نعم نضحك، فجلودنا أصبحت للجلد فقط، كيلو لحم ليس للأكل للجلد فقط، جلد جميع الأيام ما عدا الجمعة والسبت أجازة.. فالجلد لدينا أنواع بارد. متوسط. حار.. أنت تختار الطريقة ونحن «نلعن أبو أسلافك». نجلد في اليوم ألف مرة دون أن نشعر. يا لها من بدلة مشؤومة.. هذه ليلتي الأخيرة في هذا المكان سأفعل كل ما بوسعي.

في مسرحية «ثواني الرحيل» يجد مغسل الملابس نفسه أمام اختيار صعب، مفترق طرق بين تسليم مغسلته لصاحب «البدلة» الأجنبي الذي يتذرع بمبدأ التغيير ولو بالقوة، وبين الرفض القاطع الذي قد يصل إلى التضحية والفناء.. فالأجنبي يسوق منطقه من مبدأ ان هذه المغسلة يجب ان تساير العصر، فحبلها الوحيد الذي تجف فوقه ملابس الزبائن المغسولة بعنف أصبحت نظافتها ونصاعتها تخدش بما بدأ يسيل من الحبل من بقايا عمر، حيث ألوانه التي تنجل منه وتطبع في الملابس.، وهو بذلك يحتاج إلى استبدال، وكل شيء من حوله.. يعلو وينخفض مستوى الخطاب في متاهة مغسل الملابس، الشخصية التي تنتمي إلى القاع، وترفض ان تبيع مبادئها.

حكاية هي في الأصل مكررة على مستوى الدراما عامة، لكن القبض على مفاصل فرجة فهي مسرحية متقنة، يسهل كثيرا العبور منها إلى مقولات حتى ولو كانت اعتيادية، فالفرجة هي وحدها في النهاية من يحسم أمر التأثر وعدالة التلقي، ففي «ثواني الرحيل»، كانت الحكاية وغاية العرض قد بانت بشكل واضح منذ الحدث الأول، لكن استمرار العرض في السيطرة على توليد الإيهام وإبقاء المتلقي في شرك الفرجة، كانت وحدها كافية لتدفع إلى المتابعة، وكان مغسل الملابس يتنقل في الأمكنة والأزمنة متكئا على هذيان مؤلم ومتأجج، والإضاءة وحركة الجوقة التعبيرية، خلف الفضاء الخانق من خلال فتح ثغرات ضوئية ضيقة في العتمة، كل هذا كان يدفع إلى تجاوز مقولة النص من اجل اقتناص لذة البصر.

نجحت «ثواني الرحيل» عند عرضها للمرة الأولى في مارس 2009 خلال مهرجان أيام الشارقة المسرحية، واحتسبت من الأعمال المهمة للفرقة، بفرجتها تلك.. لكن كيف تحقق ذلك؟ هذا ما يجب الذهاب إليه عند التعاطي مع هذا العرض الذي كتبه جمعة علي، وهو ممثل أكثر منه مؤلف، الا ان له تجارب فيما يسمى بالمسرح الاجتماعي، وأخرجها فيصل الدرمكي، المخرج الذي تعرفه أيام الشارقة المسرحية خلال السنوات الأخيرة، بصاحب مفاجآت جميلة من خلال عروض قدمها..

«ثواني الرحيل» من إنتاج فرقة مسرح كلباء، هذه الفرقة التي تأتي من المدينة الساحلية البعيدة المفتوحة على المحيط، المدينة التي ضربتها تأثيرات الإعصار «جونو»، وجمعة علي وفيصل الدرمكي ثنائي مهم للفرقة وعارف سلطان وناجي خميس وآخرون من مجموعة شباب يعشقون المسرح لحد الجنون، ففي مسرحية «الظمأ» .

وهو عرض قدمته الفرقة قبل عامين، كان فريق «ثواني الرحيل» نفسه يقدم عرضا فيه الكثير من المشهدية البصرية عالية التقانة، فهذه الفرقة لديها طاقم جيد من القادرين على الأداء التعبيري، فكثيرا ما قاد المخرج فيصل الدرمي هؤلاء الشباب إلى تمارين ومشاهد مؤسسة على الأداء الجسدي، فعل الجوقة، وكثيرا، ما بدا جمعة علي ممثلا بارعا وبطلا..

لكن في «ثواني الرحيل»، يبدو ان الاثنين اجتماعا معا على موقف واحد ومقولة واحدة، فالنص الذي كتبه جمعة معتمدا اللغة العربية بدلا من الدارجة المحلية وهو المعتاد في هكذا مقولات اندفع إلى مستويات عليا في شخصية مغسل الملابس المناضل، المتمسك بالمكان، بالملك، بحبل الغسيل، الذي يجده فيه ارثه ورمزه، صاحب الأرض، صاحب المكان، والمغسلة التي هي رمز الطهر والتطهير، فنجده.

هل ذهب الاثنان إلى عرض يعتمد الفرجة المفاهيمية ان جاز هذا المصطلح؟، فالتعامل مع المتلقي هنا، لم يكن من خلال قصة كلاسيكية معتادة، في ظل أحداث لا تتساوق ولا تتكيء على زمنها الحقيقي، بل امام ما يشبه الكولاج في حياة رجل بسيط يرتبط باكسسواراته البسيطة ومكانه البسيط ومهنته البسيطة ويؤمن بأنهما الوجود كله، هذا الكولاج يبدو فيه الثنائي فيصل وعلي وكأنها يهربان إلى الأمام، او بغية الدخول إلى مناطق يشعران انها من المحرمات، هناك تبطين، وهناك رمزية في سياق عام محكم.

فرقة مسرح كلباء تحضر في المشهد المسرحي المحلي من بين أكثر من 15 فرقة مسرحية أهلية في الإمارات كواحدة من الفرق التي بدأت في الآونة الأخيرة تبلور اتجاها خاصا في اعمالها المسرحية، وهي في الوقت نفسه فرقة تتميز ايضا انها تعمل على خطين مسرحيين، لكل منهما خاصيته وطبيعته المغايرة للآخر..

فأهل مدينة كلباء يشكلون جمهورا غفيرا سنويا، وفي مناسبات الاعياد لعروض هذه الفرقة التي تقدم ايضا عروضا غارقة في الكوميديا والواقعية.. ومثلما ذهبت الفرقة في مسرحيتها «الضمأ» التي حققت جائزة مهمة في مهرجان ايام الشارقة المسرحية، تذهب اليوم إلى الاسلوبية ذاتها في مسرجية «ثواني الرحيل»، وهذا كما يبدو اصرار على النسج باعتماد هذا الاسلوب.. الاداء التعبيري لغة مرادفة في العرض دائما.

في «ثواني الرحيل» يعتمد المخرج فيصل الدرمكي على جوقة من الممثلين يرتدون اللباس الاسود ويحملون في ايديهم عصيا، هذه العصي ادت في بداية العرض اشكال عقارب الساعة وهي تدور في اتجاهات مختلفة، ثم تحولت إلى ادوات قمع، هراوات، سجن.دلالة الجوقة هم اولئك الذين ينتشرون في الظلام، وهم اولئك الذين يعملون الجلد في اجساد البسطاء القابضين على مباديء الحرية، والاصالة والهوية.. فالحبل الذي يرمز لكل التفاصيل في الحياة التي يعتبرها غسال الملابس او حارس المغسلة اصيلة وهوية راسخة جاءت اليه «البدلات» الغريبة، وهي اشارة كافية لفضح مقولة النص يقول حارس المغسلة :

أصبح كل شي لديهم صفقات، تجارة، ربح وخسارة، ولكن الخسارة في هذه المرة تعني الهلاك. عن اي هوية تتحدثين ؟ ذهبت تتبع السراب وخلف السراب سراب إلى ما له نهاية، صرنا كشجرة عجوز تتساقط منها الأوراق علي. تهافتت علينا الكروب وبتنا نرقص على أنغام الجمر.امتلأت أرضنا من القبور.. زحام بين الموتى.. اختنقت القبور ولا نعرف هل سنجد لنا قبورا تأوينا أم سنأخذ الاذن كي ندفن في أرضنا؟

يرمي النص خطابه في وجه طاغية يجسده صاحب «البدلة»، وتحيل الخطوط الخفية ما بين السطور إلى ما يريد الذهاب اليه بحرية تبدو مكبلة، وهو المقاومة والاصرار على البقاء حتى ولو كان الحبل الذي تتطهر من عليه الملابس والاحمال، خيول الخير والشر معا.. وهكذا يكون النص قدم وظيفته في فعل الادانة والثورة ضد المستبد.هي مغامرة خاضها جمعة علي، العزف على آلة حادة الصوت، يجب عليها ان تجتاز حديتها بشيء ما، فمقولة الانسان المستلب، وثنائية السيد المسود، والاستعمار والهيمنة كلها نغمات حادة، صارخة، صاخبة.. ويبدو ان هذا الشيء هو ما صنعه المخرج فيصل الدرمكي بالسعي نحو تخفيف احتدام النص مع الواقع عبر صور مشهدية تتوالى في توليد شحناتها الشاعرية تارة والعنيفة تارة اخرى.

كوادر شابة

تتميز فرقة مسرح كلباء بمجموعة كبيرة من الكوادر الشابة، بالاضافة إلى الثلاثي المهم فيصل الدركي، وعارف سلطان وجمعة علي والثلاثة قد مروا بتجارب ممارسة الكتابة والإخراج معا، وكثيرا ما كان الثلاثة يشتركون في تأسيس عرض مسرحي من البداية حتى النهاية. ففي مسرحية «الظمأ» التي حققت نجاحا كبيرا للفرقة دخل عارف سلطان وفيصل الدرمكي في ورشة حقيقية مع مجموعة الشباب ومنها استحقت الفرقة الحصول على جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل وجائزة الإخراج.

مرعي الحليان