لعلّه ليس من المبالغة القول إن أوروبا لم تكرّم أي شاعر «غريب» بعد رحيله مثلما كرّمت محمود درويش «منذ أن اكتمل منفاه» ،كما قال صديقه الكاتب الشهير من جنوب إفريقيا برايتن بريتنباخ.
كتابات كثيرة وشهادات أدباء وكتاب وفنانين وأناس عاديين لم يسمع بهم أحد وجهها أصحابها لذكرى الشاعر الكبير الذي «تطفح ملامح وجهه بالكرامة» ،حسب تعبير الكاتبة الفرنسية اليزابيت سيستور في وصفها له وهي تتذكّر ذلك اليوم الذي كان فيه ضيف الشر ف على مهرجان مدينة «آرل» بجنوب فرنسا في صيف عام 2008 ،أي قبل رحيله بأشهر.
وكان مما كتبته: «ما إن ولج محمود درويش إلى المسرح الكبير العريق الذي يتسع ل2500 شخص حتى عبق المكان بالمشاعر.لقد كان له تأثير خاص لما يمتلكه من سماحة محببة ومقدرته الاستثنائية في اللعب على الكلمات والصور وتذكيرنا بعالم شعري يبتعد عنّا دائما في زحمة حياتنا اليومية. فأي شاعر في العالم يستطيع أن يجذب مثل هذا الجمهور العريض ويبعث مثل القدر من الاحترام ويسحر جميع أولئك الذين يقرؤونه أو يستمعون إلى أشعاره؟».
وتظاهرات كثيرة عرفتها العديد من الجامعات والكليّات الشهيرة التي ليس أقلّها شأنا المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية بباريس التي كرّست لتكريم ذكرى محمود درويش يوم 6 نوفمبر الماضي وفعلت الشيء نفسه في اليوم التالي مدرسة المعلمين العليا للآداب والعلوم الإنسانية بمدينة ليون. وشارك في اليومين كتّاب وأدباء فرنسيون وأجانب تحدثوا عن الأرض والحب والآخر والحياة والموت في شعر محمود درويش.
وكانت مجلّة «فكر الجنوب» الفرنسية قد نشرت في عددها الخاص لشهر أكتوبر ـ تشرين الأول الماضي تحت عنوان «رغائب الحرب.. آمال السلام» القصائد الخمس الأخيرة لمحمود درويش مترجمة إلى اللغة الفرنسية. وكان ربيع عام 2009 قد شهد صدور كتاب وشريط مصوّر ـ فيديو ـ لقراءات شعرية لمحمود درويش ، وترجمتها إلى اللغة الفرنسية بصوت «ديدييه ساندر».
وبما أن الحديث عن النشر ،تجدر الإشارة أيضا إلى العدد الخاص لخريف ـ شتاء 2008 الذي أصدرته مجلّة «بانيبال» الصادرة في بريطانيا والمكرّس قسم كبير منه لمحمود درويش. ويبدأ بتقديم مجموعة من قصائده تتصدرها قصيدة «على محطة قطار سقط عن الخريطة». ويشارك في هذا العدد مجموعة من أدباء وشعراء وكتاب عالميين من أمثال وول سوينكا، الحائز على جائزة نوبل للأدب ،الذي يتحدث عن ذكرياته في رام الله التي زارها مع مجموعة من الكتّاب والشعراء عندما كان محمود درويش محاصرا فيها. يقول سوينكا: «لم نكن نفهم اللغة العربية ،لكن صوته وصل إلى أعماقنا».
ومن المشاركين الآخرين في هذا العدد الطاهر بن جلون الذي يقول إن محمود درويش قد رحل لكن شعره لا يزال حيا. ومارك ستراند الذي تحدّث عن «تواضع محمود درويش وجديّته». والأديب اليوناني جوديت كازانتزيس الذي وصف الراحل بـ «الشاعر العالمي الكبير». هذا بالإضافة إلى عدد أخر من الكتّاب والشعراء الأجانب والعرب.
وتبقى من أهم التظاهرات التكريمية لذكرى محمود درويش في أوروبا تلك المبادرة التي قام بها مهرجان الأدب العالمي في برلين والتي شهدها يوم الأحد 5 أكتوبر. وشارك بالدعوة كبار شعراء العالم من أجل «قراءة عالمية» لأشعار محمود درويش. ولم تكتفِ تظاهرات ذلك اليوم التي عمّت أوروبا كلّها ومناطق أخرى من العالم بتكريم ذكرى محمود درويش عبر قراءة أشعاره ،ولكن أيضا تكريم التزامه بالسلام العادل والدائم.
جرى في ذلك اليوم توجيه نداء إلى المؤسسات الثقافية ومحطات الإذاعة والمدارس والجامعات ولكل من يهمّه الأمر للاحتفال بتلك الذكرى. حضر تلك اللقاءات عشرات الآلاف ووصف المشاركون جميعهم محمود درويش أنه أحد أكبر شعراء العالم في العصر الحديث. إن مئات الآلاف من مجموعات قصائد محمود درويش المترجمة إلى أكثر من 30 لغة عالمية بيعت في ذلك اليوم.
تلك هي بعض العينات القليلة و«الانتقائية بالضرورة» التي كرمت ولا تزال تتوالى عن الراحل محمود درويش بعد رحيله.
محمد مخلوف
