مثل انعكاسات شعريته في مرايا الوطن العربي الكبير، رسم محمود درويش هالته الشعرية المؤثرة على ضفاف الخليج، وبين مريد ومتأثر وبين محب ومناصر توغلت تلك الشعرية عميقا في التجربة الشعرية الجديدة في الإمارات، تمثله الكثيرون وراحوا يعزفون على ربابة همه ومهمته النضالية والإنسانية، وحضر بقامته الشعرية في كل مؤسسة ثقافية في كل شارع ومقهى وكل بيت، والتصق الشعراء بقصيدته كالنداء المواجه للظلم والوحشية، وكأن قصيدته بندقية، او مدفع.
ففي الوقت الذي تفاعل الشعر الإماراتي قوميا مع قضايا أمته ومحنة الأهل في فلسطين، وتماهى مع عذاباتها وتشظياتها، وعاش مرها وقهرها وثوريتها، كانت قصيدة الراحل درويش الفتيل المشتعل دائما، فقد حضرت مقاطعه الشعرية في القصائد، مثلما حضرت في الحياة اليومية، وحضرت في الايديولوجيا، فقد منحت شاعرية درويش وشعره النضالي طاقة كبيرة لقصائد أولئك الشعراء.. فتربعت هذه القامة الشعرية على كرسي يليق بها، فكانت القاعات تغص بالحضور والمحبين حينما يأتي هذا الطائر الجريح إلى هنا ينشد القصة عبر آلاف الكلمات.
كان ولم يزل محمود درويش في عيون الشعراء الإماراتيين فارساً لم يترجل عن خيل الشعر لحظة ولم يغادر ميدان المعركة حتى الرمق الأخير، وعاش في القلوب مناضلا بقلب صلب، ورومانسياً رقيق الشعر في قصائده عن الحياة. وحينما رحل محمود درويش عن الدنيا، كان الحزن يمد أغصانه إلى الجهات، ومثلما فجع العالم برحيله كان الحزن أكثر شدة هنا..تحول شعر درويش إلى ديوان نضال، وتحولت شاعريته إلى درس في الشعر.
أقام الشاعر الراحل أمسيات عديدة في زيارات خاطفة للإمارات، فشهدت له العاصمة أبوظبي أمسيات مثلما شهدت دبي والشارقة، اما مجموعاته الشعرية، أسلحته المقاومة، فقد تسربت الى البيوت مثلما تتسرب الأسرار.. غيَّر درويش لون وطعم البرتقال في حلوق الخليجيين والإماراتيين هنا، مثلما منح السنابل حدة السيوف ورهافتها، وفرش درويش جراح الأمة أمام أبنائها واستحضر في مقارباته الشعرية أمجادها التي توارت تحت رماد السنين.
كانت اول أمسية أحياها الشاعر محمود درويش في الإمارات عام 1974 في قاعة سينما الدورادو في أبوظبي وأخر أمسية بعد أمسيات متفرقة بينهما بين أبوظبي ودبي والشارقة كانت خلال احتفالية مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بتوزيع جوائز دورتها الثامنة في العام 2004 والتي فاز فيها الشاعر الراحل بجائزة الانجاز الثقافي، حيث أحيا درويش آخر أمسية شعرية له في الإمارات في قاعة الراشدية بفندق البستان روتانا بدبي وسط حشد كبير من مثقفي ومبدعي الوطن العربي وجمهور كبير من الناس..
ويوم فوز درويش بجائزة العويس في مجال الشعر جاء في تقرير لجنة التحكيم: «ان درويش صورة الحقيقة الشعرية في عالمنا العربي، ورسولها المكابد بقوة وشجاعة وإصرار لإعلاء صدق التجربة الشعرية ووهج واقعها المعاش بكل عذاباته وجمالياته معاً، فهو شاعر المقاومة لا الفلسطينية وحدها، وإن شكل نبضها الحي، بل المقاومة الإنسانية في عمقها واتساع آفاقها.
والتي تنشد السلام والعدل لبني البشر. ان مكابدة درويش ليست نضالية فحسب، على الرغم من القيمة العظيمة لمنجزه الشعري في هذا المجال، ذلك لأن درويش استعاد للمفردة بهاءها وحررها من وهن التكرار والعادة وبعث في استحضارات الموروث نبضاً حياتياً متجدداً ومعاصراً، ورفد الحركة الشعرية المعاصرة بما تحتاج إليه من عذوبة الشعر وقوته وموسيقاه وعمقه وحلاوته، علاوة على دور هذا الشعر التغييري المحرض والمناهض للاحتلال ولكافة أشكال العدوان والظلم.
يومها ألقى درويش قصائد من مجموعتيه الأخيرتين «جدارية» و«لا تعتذر عما فعلت»، قرأ «سيجيء يوم آخر»، ثم قصيدة «سقط الحصان»، و«السروة انكسرت»، وقرأ مقاطع من قصيدته المطولة «جدارية».. درويش وكأنه يودع هذا الجزء من وطنه العربي الكبير بتلك القصائد وذلك التكريم..
محمود درويش يعيش اليوم في الذاكرة الجمعية لأبناء أمته بطلا في الصفوف الأمامية لمقاومة الظلم والاستبداد وسراق الأوطان بما تركه من شعر، مثلما يعيش في الصفوف الأمامية للداعين الى دفء الحياة وبعث الأمل، ومثلما يعيش مهندسا لحداثة القصيدة التي طور فيها وبعث في مفرداتها من روح، فتلك المجموعات الشعرية لا زالت تؤسس حالتها كمدرسة، في باعها الطويل المتجذر أشياء مهمة للشعراء..
.كيف تأثر شعراء في الإمارات بذلك السحر وتلك المرواغات السرية والعلنية التي مارسها درويش على اللغة، لينتقي ما يرج الدم الراكد في العروق؟ كيف تأثر بها شعراء في الإمارات؟ كيف تماهوا معها؟ وكيف قرأوها جملة وتفصيلا، لديوان كفاحه، وله كانسان عربي كرس كلماته في تضحيات متواصلة واحرقها مثلما يحرق الحطاب ما جمعه ليبدد الظلام؟
رؤية الحقائق
«التقيت مع محمود درويش مرات قليلة، وتخاطبنا عبر الرسائل، وقد نجحت مع بعض الزملاء في الحصول على موافقة لدعوته إلى الولايات المتحدة من أجل زمالة لأجل معين، تم إحباطها من قبل دائرة الهجرة الأميركية التي كان تنظر إليه شزراً ـ وكل فلسطيني في نظرها هو إرهابي! وعندما دعانا إلى رام الله مع عدد من أعضاء البرلمان العالمي للكتّاب، لم يكن يفرض نظرته الخاصة على ما كنا نشاهده بل تركنا نرى الحقائق بأعيننا».
وول سوينكا
ليلة في رام الله
مرعي الحليان
