عرف الشاعر الراحل محمود درويش كشاعر نجاحاً كبيراً ونال شهرة نجوم الفن والسينما الكبار حين عرفت أشعاره النابضة بالحياة طريقها إلى أجمل الأصوات الغنائية في وطننا العربي مثل مارسيل خليفة، خالد الشيخ، ماجدة الرومي، خالد الهبر، المطرب العراقي كريم منصور، والفنان والملحن القطري عبد العزيز ناصر وغيرهم.
طوال مشواره لم يكتب قصيدة لتغنى عبر صوت مطرب أو مطربة ولم يطلب من أحد أن يلحن له قصيدة، كان يكتب ما يحسه فقط، لكنه كان يعلم جيدا أن الكلمة المغناة هي الأبقى والأسرع في الوصول إلى الملايين. والجميل أن أشعاره لاقت تجاوبا كبيرا منذ الستينيات من عدد كبير من المطربين، من هؤلاء الملحن المصري محمد قابيل الذي بدأ حياته في بداية السبعينيات كمطرب بأشعار محمود درويش، لكن ظلت أشعاره مقصورة فقط على المطربين أصحاب التوجه الثقافي، ومن هؤلاء المطرب والملحن اللبناني مارسيل خليفة الذي قام في نهاية السبعينيات بتلحين مجموعة من قصائده الشهيرة مثل رائعته:
أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي، ولمسة أمي.
وتكبر في الطفولة يوما على صدر أمي
وأعشق عمري لأني إذا مت يوما
أخجل من دمع أمي.
وأطلق مارسيل مع درويش ظاهرة غناء القصيدة الوطنية الفلسطينية التي تمتزج فيها صورة المرأة الحبيبة بالأرض والوطن أو الأم والوطن معا. كانت البدايات مع بين ريتا والبندقية، وعود من العاصفة، جواز سفر، منتصب القامة أمشي، وغيرها، واستمرت لسنين محققة مزجا رائعا بين العود وشعر درويش الرمزي الوطني العاشق، وشكل مارسيل ودرويش ثنائيا مهما.
شجع النجاح الكبير الذي حققه هذا الثنائي مزيدا من الفنانين على التعاون مع أشعار درويش من هؤلاء الملحن والمطرب البحريني خالد الشيخ الذي قدم في بداية الثمانينيات قصيدة «عندما كنت صغيرا»، وأعقبها ب» أبيات غزل» ثم»مدينة كل الجروح» ولاقت هذه القصائد نجاحا كبيرا جعل الشيخ يحرص في كل ألبوم على غناء قصيدة من أشعار درويش مثل»لحن غجري»،»موال» وغيرها،.
ووجد المطرب اللبناني خالد الهبر الذي ينتمي إلى مجموعة الفنانين الملتزمين فنيا نفسه في أشعار درويش فقدم له أكثر من ألبوم يتضمن قصائد مثل»أحمد الزعتر»،»حالة الاحتضار الطويلة»،»عازف الجيتار»،»مديح الظل العالي»، ولم تقتصر تجارب غناء قصائد درويش على المطربين الرجال فقط. المطربة ماجدة الرومي قامت في منتصف التسعينيات بغناء مقطع من رائعته»مديح الظل العالي»من ألحان إيلي شويري، أما المطرب العراقي كريم منصور فغني له قصيدة أبي من ديوان »عاشق من فلسطين» والتي يقول مطلعها:
غض طرفا عن القمر
وانحني يلثم التراب
وصلي لسماء بلا مطر ونهاني عن السفر
وأبي قال مرة الذي ماله وطن ماله في الثري ضريح.
ولا يمكن ونحن نتحدث عن المطربين والملحنين الذين غنوا قصائد درويش أن ننسي المطربة الفلسطينية كاميليا جبران التي غنت له العديد من القصائد، وأيضا الملحن القطري عبد العزيز ناصر الذي لحن له أكثر من قصيدة مثل»أين أهلي» و»تكبر» والأخيرة غنتها المطربة أميمة الخليل في حفلتها الأخيرة في القاهرة.
ثاني الغناء والشعر
من بين جميع المطربين الذين غنوا قصائده، يستمد مارسيل خليفة أغانيه من قصائد الراحل محمود درويش. وبفضل تلحينه، حققت قصائد محمود درويش شهرة كبيرة في العالم العربي بأسره، ومعها اشتُهر خليفة أيضاً، مطلقا ظاهرة غناء القصيدة الوطنية الفلسطينية. واستمر هذا الثنائي لسنين محققة مزجا رائعا بين العود وشعر درويش الرمزي الوطني العاشق فكانت «أمي» و كانت «جواز السفر» أفضل شعارات يحملها و يرددها الجماهير العربية المنادية بالنضال في فترة ما بعد النكسة. شكل مارسيل و درويش أقرب ما يشبه الثنائي في أذهان الناس، رغم أنهما لم يلتقيا إلا في فترة متأخرة يضيف الفنان السوري سميح شقير مجموعة غنائية جديدة إلى رصيده، أرادها تحيةً إلى الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش في «قيثارتان».
حيث لحّن وغنّى 11 قصيدة من شعر درويش، تولى توزيعها موسيقياً عاصم مكارم وزياد حرب، وشاركت فيها غناءً شقيقته سهير شقير «تنسى» و»شجر السَرو» و»بيروت خيمتنا» و»سقط القناع» و»قيثارتان» وغيرها من القصائد، تنضم إلى العديد من كتابات الشاعر الفلسطيني التي أصبحت أغنيات بأصوات فنانين عرب، بعضها سبق أن لحنه آخرون: مرسيل خليفة، خالد الهبر، إيلي شويري....
وهناك عدد لا بأس به من الأسماء التي غنت قصائد محمود درويش: غازي مكداشي، خالد الهبر، مارسيل خليفة، زياد الرحباني، أحمد قعبور، سامي حوّاط، مخول قاصوف، وغيرهم.
بدأ سميح شقير مسيرته الفنية عام 1982 وأصدر مجموعته الغنائية الأولى «لمَن أغنّي» عام 1983، تلتها جولة حفلات في سوريا ولبنان. في 1984، صدر ألبومه الثاني «بيَدي قيثارة» وبعده «حناجركم» 1985 و»وقْع خطانا» 1987 و»زهر الرمان» 1990. ما زال صوت سميح شقير مميّزاً بما يحمل في نبرته من آثار الإحساس بالمعاناة التي يغنيها.
وما زال يسير في الخط الذي رسمه منذ أكثر من ربع قرن. لكنّ جديده يتخذ منحيً ملحمياً عاماً، ويعطي الصدارة للقضايا الكبرى، لحناً وتوزيعاً، على حساب الحميمية والبساطة. وهذه التجربة التي تقترب من ألبوم «خالد الهبر يغني محمود درويش» 1996، ربّما تستند في خلفيّاتها إلى النصوص التي لا يشبه بنيانها نص الأغنية بشكلها الكلاسيكي. وجاء التوزيع الموسيقي أوركسترا ليا ضخماً «يأخذ فيه عود شقير حيزاً ضيقاً» باستثناء أغنية «قيثارتان» التي اقتصرت فيها المرافقة الموسيقية على آلتَيّ غيتار.
ماجدة الرومي اختارت أن تغني قصيدة محمود درويش «حاصر حصارك» لكنها لم تدمج بين لبنان وفلسطين بل تدخل إلى فلسطين من الجرح اللبناني. صفق لها الجمهور كثيراً وهي تقول له «الله كبير»، غنى معها «حاصر حصارك» ورافقها بالتصفيق. وهذا ما يؤكد أن قصائد الراحل محمود درويش تأخذ البعد الجماهيري إلقاءً وغناءً. وأحدهما يغني الآخر.
شاكر نوري

