في سلوك العنكبوت الحيوي والغريزي طبعاً، يمكن ملاحظة أمرين: تلك القدرة الفائقة في حَبك نسيجه: النسيج الشَّرَك المعد لفريسة منتظرة أو لحظة الانقضاض عليها من عل كما هو المتوارَث فيه، وذلك الوهم: اليقين الذي يسهل تصوره، حيث يعرّف بالعنكبوت مرهوبَ الجانب، أن العالم برسم التوقيف داخل نسيجه لحظة يشاء.
تبرز العنكبوتية، أو الشبكة العنبكوتية فكرة مغرية للنظر في المستقى من العنكبوت: في الحركة والإنجاز. العنكبوت الذي يسهل الوصول إليه ومشاهدته بعيداً عن العالم، قريباً منه، داخله. إن الأكثر انشغالاً بذاته هو الأكثر ابتعاداً عن العالم، والعنكبوت في ظاهره كما هو سلوكه مذ وجد، مشدود إلى نسيجه، ونسيجه علامة وجوده في الطبيعة. في الحالة هذه نحن مدينون إلى العنكبوت بفكرة، ترسَّخت كثيراً في حياتنا اليومية، وبدرجات متفاوتة، ولكن المتوخى من الشبكة تلك، وهو مدمَّر لا شأن للعنكبوت به، إنها فكرتنا من جهة القيمة والاعتبار!
لعل العنكبوت هو الكائن الحيواني الأكثر استشهاداً به، في جانب الوقيعة بالآخر، والدفع به نحو المتاهة. نعم، العنكبوت فنان المتاهات، الساحر الذي يعد المغلَّف بنسيجه بطراوة تميل تدريجياً إلى الصلابة، ببياض يستحيل حامل موت لاحقاً. فما أن يحضر العنكبوت بالاسم، حتى تحضر شبكته تلك التي يسخَر منها نظراً لهشاشتها، ورغم ذلك تبقى الشبكة مخيفة، وهذا تناقض. إن كان من سر، فهو في الصياغة والدائر في الداخل ليس .
العنكبة، إن جاز التوصيف، إعادة تركيب للعنكبوت، ولنسيجه، بطريقة تتناسب ورغبة المحوّر في طبيعته، لكأن في ذات كل محوّر نسخة جاهزة للتركيب، للعنكبوت وغيره حيوانياً، بما يتلاءم والمطلوب منها أداء وظهوراً!
وحده العنكبوت يعيش بما يميّزه وهو المغيَّب عن النظر كثيراً، وما أن يظهر نسيج أو يلمس بغتة حتى يشير إليه.بيت العنكبوت المعلَّق عليه لا يناسب سواه، رغم أنه لا يقيم فيه، وربما هو الكائن الحيواني الوحيد الذي ينجز بناء بيت شبكي في سرعة لافتة دون أن يستوطنه، تتكرر النسخة ذاتها مذ كان هو، البيت الوحيد الذي ينسج في الهواء من نقطة معلَّقة ما، إنما على مقاس الفريسة: الطريدة. العنكبوت لا بيت له، كما هو معروف في وسطنا، إنه يقيم في العراء راصداً مترصداً من يكون أهلاً لأن ينسُج بيتاً ليس من حوله، إنما بيت يلتصق به بإحكام، إنه البيت في خيوطه الهائلة عدداً، وقد غيَّبت الفريسةُ عن العالم، حيث لا يعود في وسعها بعد ذلك أن تصبح خارجاً!
إنه ضرب من التشبيه ونحن نتحدث عن البيت: النص الذي يعاين من الجهات قاطبة، ولكن ثمة قياساً سيئاً في العلاقة هذه، بما أن البيت العنكبوتي لا يصلح إلا لما أعِد له عنكبوتياً، وقد لا يفلح العنكبوت في الإيقاع بعدوه من جهة التقدير، فيكون هو الضحية، خلاف البيت: النص الذي يفكَّر فيه قولاً وكتابة. ما ينسجه الكاتب يتوخى إقامة أفضل في العالم، ينشد التهوية وتوافر الشروط الأكثر قابلية للأخذ بها ومدحها.
نعم، إن نص الكاتب هو بيته الوحيد الذي لا يكتمل، وهو الوحيد الذي يظل مبتكر الطرق والأساليب لجعل النسيج أكثر مرونة، وإبراز معالم النص بتلك الشفافية التي تغري بالاقتباس، بتسميتها مؤثرات ذوقية، يُطلب الحفاظ عليها. إنه بيت فائق الصحَّيَّة.
يكون الفارق الكبير والخطير بين مسلك العنكبوت فيما يختزنه في الداخل، وفيما يتهيأ له، ومسلك أي منا، وهو يبتغي وضعاً أفضل للإقامة في العالم، على صعيد العلاقة العكسية. إن العنكبوت يحيل العالم إليه، وتلك هي حياته الغريزية، نسيجه: الذاكرة المتوارثة، وكل ما يخلَّفه ليس أكثر من آثار مذبحة عنكبوتية الطابع من وليمة ما، ما أن يكاد ينتهي منها حتى يهجر المكان، مخترقاً بيته، معلناً أنه أدى مهمَّته، مفارقاً له لئلا يتم اقتفاء أثره، بينما أي منا وهو يغزل نسيجه القولي أو الكتابي، ففي سعيه إلى التأكيد للآخر أنه جدير بالتعامل مع نسيجه، والاستعارة منه.
نعم، الكاتب، وكل صاحب مسعى حميد، يحمل مشروع بيت لا ينتهي بناؤه طالما أنه حي، وكأنه يعلِم أنه في انتظار من يشاركه في فعل النسج، ليكون الهدف، هو كيفية الخروج المستمر من شرنقة العنكبوت المسماة، أما من ارتضى لنفسه أن يكون في مقام العنكبوت، فإن النسيج الذي يراهن عليه يسمّي نهايته تدريجياً!
إبراهيم محمود
