زيارة هافانا تعني بالضرورة وقوف المرء على لحظة تاريخية ذات مذاق خاص دائما، وهذه ميزة يعز نظيرها في عواصم أخرى، ففي معظم أيام السنة تفتح الأبواب هناك على مناخات جديدة متجددة تجعل السائح أو الزائر يتحول إلى شاهد على عملية ترميم متململة نافدة الصبر.
« تذكر كوبا»، هذا ما تحدثنا به اللوحات المعلقة في كل مكان منذ أن وطأت أقدامنا أرض خوسيه مارتي. تذكر الفنادق الفاخرة، تلك السيارات المصفحة التي تطوف البلاد منذ خمسينات القرن الماضي، تذكر المشروبات المنعشة، دخان السيجار الأصلي «هافناوس» والفتيات الخلاسيات الفاتنات. تذكر تلك الموسيقى الأهلية المدهشة، الكوبيين وصداقاتهم التي لا تقاوم. تذكر البحر، تلك المرآة المشغولة من حجر كريم براق، الرمال الناعمة، أشجار جوز الهند الغافية والسماء الفسيحة الممتدة بلا حدود. مشهد ليس جديدا، مشهد ملازم للجزيرة الكاريبية على مر العصور والأزمان. تذكر فندق الـ «ناسيونال» درة الهندسة المعمارية في منطقة الكاريبي، يدهشنا حجمه كلما اقتربنا منه وفي بهوه الكولونيالي الفسيح نجلس في حضرة أشخاص أثرياء بكامل أناقتهم رغم ما يخسرونه من ثروات في الكازينو. لا يدهشنا أن نسمع ونحن في المصعد في طريقنا كل إلى حجرته نكتة عن نبلاء عصر النهضة في أوروبا.
فرانك سيناترا وهو يتناول مشروبه المفضل «موهيتو» ناظرا إلى البحر من أرائك الملوك الشاسعة المتناثرة في قاعات باردة جنبا إلى جنب مع حديقة وارفة غناء، حيث يمكن لأي زائر الجلوس هناك والاستمتاع بترف تلك اللحظات المهيبة. الحدائق تنتهي إلى حارة تطوف فيها برصانة لافتة سيارات رائعة الجمال. لطالما راقت الحياة الرغيدة لأبناء هافانا، الذين استخدموا تلك السيارات المهيبة واستمتعوا بساحاتها وجلودها الفارهة وألوانها المبهجة ( دوج كينغ وي 57،كاديلاك 62 موديل 55)، لكن مع مجيء الثورة توقفت عملية شراء الموديلات الحديثة بحيث تحولت السيارات القديمة إلى شبه خردة قديمة من الحديد. بيد أن الإحساس بالنبل الذي حافظت عليه جعلها سيارات كلاسيكية تثير إعجاب الجميع. ولم يكن هناك من طريقة لإخراجنا من هذه الجزيرة من دون أن نتسلق إحدى تلك الحلي المعدنية التي يشع منها بريق ماض ذهب بلا رجعة.
ماذا عن الحنين؟ الحنين في كوبا مرض عضال يعالج بحفلة. سنهرب من الجولة السياحية الروتينية وسنحاول أن نلتقي بأي شخص يدعونا إلى مقهى هافانا بذكرياته التي تعود إلى تلك الحقبة المجيدة لفترة ما بعد الحرب.
لا تكاد مشاعر الحنين تطل برأسها حتى تأتيك أصوات جلبة مصدرها الأبواق والطبول تنسينا كل شيئ. الرغبات يجب إرخاء العنان لها في الحياة الكوبية، نخرج من المقهى ونصطدم بسيارة فورد سنلاينر 54، حمراء مثل حبة كرز مشتهاة، ننطلق في جولة عبر كورنيش هافانا الـ «ملكون»، نستشعر نسيم الأطلسي العليل والعذب ويأخذنا الضحك وينتهي بنا الأمر بوصولنا إلى كازينو «تروبيكانا»، حيث يبقى العرض الراقص الأخاذ حتى انبلاج الصباح. هناك نتذكر كوبا الحقيقية بمشروبها وسيجارها وموسيقاها التي تعد الأجمل في العالم، وكذلك النساء الأكثر دماثة اللائي أنجبهن الجنس البشري.
هنا يأخذ شعار ترميم منطقة هافانا القديمة والملكون أبعادا أسطورية في كل متر من المشوار قبالة البحر، سواء من ناحية الوقت الطويل نسبيا المخصص لهذه العملية المعمارية التاريخية أو من حيث الألوان والأشكال المعتمدة فيها والطابع الكولونيالي الذي يكاد يعلن عن نفسه بقوة في كافة تفاصيل الأبنية المنتشرة في الأحياء الداخلية أو تلك الرابضة قبالة الكاريبي.
هافانا العتيقة مركز تاريخي شيدت فيه قبل 500 سنة الكاتدرائية الضخمة وساحتها المرصوفة بالحجر الأسود وساحة السلاح والقصور العتيقة ذات الطابع الموريسكي الأندلسي والباروكي.
تلك الصروح قاومت طوال خمسة قرون من الزمن، البيوتات، الواجهات المرصوفة والأزقة الضيقة المبلطة التي تفضي إلى الساحات الخمس. إنه حي صغير تنتصب فيه 242 كتلة سكنية و3500 مبنى يقطنها نحو 70 ألفا من الهافانيين.
مثلما هو حال السيارات، كانت هافانا العتيقة ومبانيها، التي تعد الأفخم في الكاريبي، على قاب قوسين أو أدنى من السقوط مشظاة، لكنها باتت في يومنا هذا مجددة ومرممة لتخلد مجد الهندسة المعمارية ولتدخل إلى قائمة التراث الإنساني لمنظمة اليونسكو. فلقد استهلت أعمال الترميم وإعادة البناء عام 1984 ويقال إنها ستأخذ سنوات طويلة أخرى، لكن رؤية بهاء مبنى إيميليو باكاردي ومبنى غوميز فيلا والسوق التجارية العتيقة من شأنها أن تبهج الرحلة برمتها.
نمضي سائرين على الأقدام عبر شارع الـ «ميركاديرس»- التجار- المزدهر من جديد. كل شيء مغر هناك ويدعو إلى خوض مغامرة الحياة مرة تلو أخرى. اشترينا من بعض النسوة، اللاتي أنشأن جمعية تعاونية لبيع ما تصنعه أيديهن دائما، فستان مشغول من الكروشيه- الصنارة- ب25 دولار، دخلنا سوق الشرق، مكتبة بولونيا، مقهى كولومناتا.
دخلنا جميع الرجاء، كوبا لنا، أحد الباعة وهو ابن ميكانيكي كان له حياة في روسيا ذات يوم، يجعلنا نشعر وكأننا في بيوتنا متبادلا معنا أطراف الحديث في رواقه الفني الصغير. كان بوسعنا البقاء هناك طيلة حياتنا، لكن البائع نفسه يقودنا إلى محلة الحرف اليدوية كي نشتري سلطعون براق مشغول من الخشب مقابل ثلاثة دولارات.
على طول الشارع يمضي الأطفال بزيهم المرسي الموحد بلونيه الخمري والأبيض وضحكاتهم تعانق سماء الكاريبي ومعلماتهم يحاولن ضبطهم لوهلة، لكنه الضحك سرعان ما يغافلهن أيضا، الناس الذين يتحدثون من شرفة إلى شرفة، الرجال الثلاثة الذين يصلحون سيارة، جيش النسوة والرجال الذين يرتدون «أفلهور» الترميم وإعادة الإعمار. في كل حي هناك ثلاثة أو أربعة بيوت العتيقة قيد الترميم وكل حارتين هناك مشغل يجتمع فيه العمال.
كان وقع «لمن تقرع الأجراس» كبير علينا ونحن ماضون عبر شارع الميركاديرس، حيث عثرنا هناك عند الزاوية التي تتقاطع مع شارع اوبيسبو على فندق «أمبوس موندوس، الذي كتبت فيه تلك الرواية الشهيرة.
وهناك لا تزال على حالها الحجرة التي شغلها همنغواي دائما وقد تحولت إلى متحف صغير. لم نحرم أنفسنا من الذهاب إلى الحانات المحببة إلى قلب كل الناس، «لا بودغيتا ديل مييدو»- دكان الخوف- «لا فلوريديتا»، هناك سرقنا الوقت وتركناه حرا يمر على هواه، كما في جميع الأرجاء، يوجد هناك كوبيون يتبادلون معك أطراف الحديث عن تشي جيفارا، عن السلبي في الثورة، عن الطفل إليان الذي نجى من الغرق وماتت أمه في رحلة فاشلة إلى الشمال، عن راؤول،عن الحصار، عن أعجوبة الثورة، عن دييغو، عن معجزات الطب الكوبي، عن فيديل، لا تتوقف الدردشة في هافانا العتيقة مطلقا.
متروكون لهدوء المساء الذي ينسل سرا دون استئذان، نغرق في كتب يغص بها معرض يحيط بإحدى الساحات. عناق سرمدي مع كنز مفقود لطبعة أولى من «مؤسسو الفجر»، الذي فاز بجائزة بيت الأميركيتين عام 1969، ندخل مطعم «لا مينا» لتناول طبق يدعى أهياكو الذي اختص به أبناء الأوروبيين في أميركا وأحبه خوليو كورتزار.
بين الطالولات المشرعة على لهواء الطلق يمضي ديكان روميان حقيقيان والفضاء تثمله موسيقى تعزفها إحدى الفرق الموسيقية المنتشرة في جميع الأرجاء، سرعان ما أدركنا أنها عادة متبعة في كل حانة وكل مطعم وكل بهو فندق وفي الساحات والميادين أيضا، الفرق الموسيقية تعزف والناس يرقصون على إيقاعاتها الأفريقية الأصل في كل مكان، بحيث إذا أتى شخص تجتاحه أشد مشاعر الإحباط والخيبة إلى مدينتنا، لكانت تلك الموسيقى بانتظاره لتخرجه بلا أدنى شك من حالته مهما كانت درجة كآبته.
هافانا الساحرة
هافانا ليست سوى المدخل الأول الذي يفضي إلى الجزيرة الساحرة، الثاني يكمن في المنظر الذي يبعث على البهجة والسرور للجنة البرية، الشواطئ التي يتحد فيها البحر والجزيرة. شاطئ «باراديور» المطل على الكاريبي والذي أعيد ترميمه عندما فتحت هافانا ذراعيها للسياحة العالمية، حيث تتواصل عمليات بناء فنادق حديثة وتوفير خدمات جديدة.
باسل أبو حمدة


