أجرت صحيفة «ديلي تلغراف» اللندنية هذه المقابلة النادرة مع الروائية البريطانية أنيتا بروكنر مع إطلاق روايتها الرابعة والعشرين بعنوان «الغرباء» حيث تحدثت عن العالم الخلفي الذي نبعت منه هذه الرواية وبصفة خاصة خوف بطلها من الموت وسط الغرباء، موضحة أنها أرادت أن تصف حياة خالية من العمل، حياة بلا سياق.
وأن تستكشف آفاق الحيرة والضياع التي يواجهها الكثيرون في عالم اليوم، وتحدثت عن إعجابها الدائم بفرويد وانعكاس هذا الإعجاب في أعمالها، وتطرقت إلى فوزها بجائزة بوكر عن روايتها «فندق البحيرة» معربة عن اعتقادها بأنها فازت بها عن الرواية الخطأ ،وأن روايتها « الذين جاءوا متأخرين » هي التي كان يجب تنال هذه الجائزة المرموقة . مالها
تحكي رواية أنيتا بروكنر الجديدة «الغرباء» قصة بول ستورجيس، المصرفي المتقاعد ذي الثلاثة وسبعين عاماً، الذي يقضي ما بقى له من أيام في شقته بحي كينجستون اللندني، وحيداً، بلا رفقة، وانطلاقاته الوحيدة إلى المجتمع لا تعدو أن تكون لقاءات مع الغرب وزياراته المنتظمة، مرة كل ستة أسابيع، مع هيلينا في همبستيد، حيث يقضيان ساعة أو ساعتين من تبادل المجاملات قبل أن يودع أحدهما الآخر وسط شعور بالارتياح لانتهاء اللقاء.
وإذ يستبد به الخوف من تداعي الصحة المطبق عليه ومن احتمال الموت وسط وحشة مطبقة، فإنه يجد نفسه فجأة ومن دون توقع مجتذباً إلى علاقتين بالغتي الاختلاف، إحداهما مع صديقة حميمة سابقة، والأخرى مع امرأة أصغر منه بعقدين من الزمان يلتقيها مصادفة خلال رحلة إلى البندقية، حيث يجد نفسه في مواجهة خيار صعب يدور حول أن يمضي نحو المستقبل مع أي من المرأتين وحيداً أو أن يمضي في مسيرته وحيداً نحو النهاية.
هذه الموضوعات مألوفة، وفي مقدمتها الاختلال القاسي في التوازن بين الحاجة والرغبة التي تكمن في قرار العلاقات، الآمال وحالات سوء الفهم، الحنين إلى زمن الإمكانات والبراءة الحقائق ـ تلك «اللحظة الوجيزة قبل قدوم خيبة الأمل» ـ وهذا الكتاب، شأن كتبها دوماً، تحقيق تشريحي متألق في الحياة الداخلية، في كل خداعها للذات، الحقائق القاسية وتألقات الآمال الزائفة، تمحيص متألق للعزلة والاستراتيجيات المختلفة التي توظف لإبعاد السأم، «تداعي الأعصاب الخفيف» عند مقدم الظلمة المتجمعة.
وتشير رواية بروكنر الرابعة والعشرون إلى أن الشخص الوحيد الذي يفكر في الحياة بجدية والذي يمضي قدماً بحذر وبصورة واعية سيعاقب على هذه الفضيلة، وينتهي وحيداً وبعيداً عن الرضا، بينما الشخص الذي يتبنى رؤية للحياة بعيدة عن التفكير تماماً ومفرقة في الأنانية لن يدفع ثمن هذه الرؤية.
وتعقب بروكنر على ذلك بابتسامة قائلة: ولكن ألم تلاحظ ذلك؟ عليك بالتفكير في رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، البعيد عن الواقعية والأناني، فإنك ستجده الآن سعيداً مثل حيوان البطلينوس الرخوي.
ألا يقول أفلاطون ان الحياة التي لا يتم تمحيصها ليست جديرة بأن تعاش؟
يمكن لأفلاطون أن يكون مخطئاً أيضاً. واعتقد أن الحياة التي لا يتم تمحيصها أفضل كثيرة، ومريحة للغاية.
هكذا فإنك تتمنين لو كنت..
مبتهجة
هكذا فإنك تحسدين المبتهجين؟
أوه، نعم.
تصوري أنك دعيت لحضور حفل، فهل تمضين إلى قلب القاعة وتستقطبين اهتمام الموجودين فيها؟
أبداً، إنني أتجول في أرجائها.
حول الأطراف؟
نعم.
هل تستهلين الحوارات مع الآخرين؟
لا، إنني أصغي كثيراً، وأخيراً أبادر إلى الهروب من الحفل بشعور بالخلاص. ولقد كان الارتباط الاجتماعي يفعم نفسي بالقلق دائماً، واعتقد أنني أنظر إلى الارتباطات الاجتماعية من منظوري النجاح والفشل. وعلى الصعيد الاجتماعي فإنني لم أكن نجمة أبداً.
ما الذي يعنيه النجاح بالنسبة لك؟
الاندماج، القبول، القبول التام.
أوه، في العمل. في معهد كورتولد، في التدريس. الطلاب! أناس جميلون! آنذاك كنت أحس بالاندماج، كنت أحس بأنني أقوم بما استمتع به أكثر من غيره، وأحببت الصحبة، أحببت الأفكار، والصورة. أحببت الحوار، وكان تبادل الأفكار قيماً، كان أصيلاً، وكل شيء آخر كان مصطنعاً.
مصطنعاً؟
كالروايات، إنها مصطنعة، نشاط منتزع من سياقه. وأعتقد أن المرء يواصل تأليف الكتاب ذاته مراراً وتكراراً.
أليس هذا هو ما يقوله النقاد عنك؟
حسناً، هذا صحيح. ولكنني أكتب عن الأشياء التي أعرفها، عن الحالات التي أعرفها.
هل تساعدك الكتابة على التصالح مع نفسك؟
أوه، لا. لا أعتقد ذلك، فكتبي ليست تقريراً عن مهمة، وذلك على الرغم من أنني أحسب أنها إلى حد ما تدور حول الخيانة. إنك تجد العدالة في الأدب وبصفة خاصة في الأدب الكلاسيكي، وهذا هو الأمر المرضي إلى حد كبير. أما في الحياة فإنك مقيد بالجسد، وذلك يحظى بالأولوية، فيما أعتقد. في الحياة لا توجد نهايات سعيدة.
هل تعتقدين ذلك حقاً؟
نعم.
لماذا؟
لأن الجسم يخذلك، يتخلى عنك، يخونك، والفناء مقدر عليك، ولا مهرب منه، والشيخوخة هي الخيانة النهائية.
هل هناك أي وسيلة للتصالح مع ذلك؟
لا، إنها حياة بلا إنصاف، بلا بعد أخلاقي، وما عليك إلا أن تمضي مبحراً خلال الإمكانات المتاحة لك كائنا ما كانت، وأن تحيا الآن وهنا.
لماذا إذن يتعين أن نكون أخياراً؟
لأن ذلك أكثر عطاء ومردوداً من أن نكون أشراكاً، أكثر مردوداً على الصعيد الأخلاقي؟
إذن فان يكون المرء خيراً هو تصرف أناني؟
إنني أعتقد أنه تصرف موح بالاهتمام بالذات.
في روايتك «الغرباء»، فإن أعظم خوف يعاين منه بول ستورجيس هو أن يموت وحيداً، هل ساورك هذا الشعور؟
لم أفكر في ذلك أبداً إلا قبل عامين، عندما أمضيت فترة راقدة في المستشفى، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم إدخالي مستشفى فيها، وكانت فترة فظيعة.. كانت بصورة حرفية موتاً وسط غرباء، أو ذلك كان ما أخشاه؟
هل شعرت بالخوف؟
ومن لا يخاف في مثل هذه الظروف؟
هل أنت سعيدة؟
لا، إنني راضية، لكني لا أشعر بالتحقق، فلا أبناء لدي. وأنا في حالة جيدة بطريقتي الخاصة، وأتدبر أمري بصورة جيدة للغاية فيما أعتقد، لكن ذلك يقتضي شجاعة. وأنا أقرأ كل رواية جديدة تصدر، وأعتمد على الغرباء، وأريد معلوماتهم، واستمدها من الفتاة التي تقص شعري، والناس الذين أصادفهم في الشارع، وأنا دائماً أتجاذب أطراف الحياة مع الناس وأواصل طرح الأسئلة عليهم على أمل الحصول على المزيد من المعلومات، وهذه المعلومات توفر لي مادة للتأمل. وإن كنت لا أعتقد أنني سأقوم بتأليف المزيد من الكتب.
منى مدكور
