تعد رواية «الغرباء» الرواية الرابعة والعشرين للروائية البريطانية أنيتا بروكنر التي اقتحمت عالم الكتابة في وقت متأخر من حياتها عندما كانت في الثالثة والخمسين، فأطلت في عام 1981 بروايتها «بداية في الحياة»، ثم فاجأت الجميع بعد ذلك بثلاث سنوات بأن حصدت جائزة بوكر التي تعد أرفع جوائز بريطانيا الأدبية عن روايتها «فندق البحيرة»، وواصلت منذ ذلك الحين إصدار رواية كل عام، على وجه التقريب.
هذا الأدب الذي راكمته بروكنر، على مدى ربع قرن، يصفه النقاد، تقليدياً، بأنه أدب صارم، لكنهم أيضاً يسارعون إلى إضافة أنه أدب ضروري أيضاً.
هاتان الصفتان لم تنبعا من فراغ، وإنما انطلقتا من أدب يمتلك الجرأة على الاستغراق في موضوعات يلتزم الكثير من الروائيين البريطانيين الحذر حيالها، مثل الموت والخوف والشيخوخة والوحدة والقلق والاكتئاب، بل ان بروكنر لا تتردد في حشد هذه الكلمات وتوظيفها بكثافة وجرأة واقتدار، وبلا ظل من ندم، الأمر الذي يوحي بثقة الكاتبة في قدراتها.
تدور رواية «الغرباء» حول مصير بول ستورجيس، وهو مصرفي متقاعد في الثانية والسبعين من عمره، لم يتزوج، ولم ينجب، ولم يعرف الحب، وهو يقيم في شقة صغيرة في ساوث كينجستون، ويمضي جانباً كبيراً من وقته في التجوال في الشوارع، ويجد بعض الراحة في الاتصال بالغرباء، من المساعدين في المحال ومصففي الشعر في الصالونات والمرأة التي تعمل في محمل تنظيف الملابس بالبخار وغيرهم.
وبول ليس له من الأقارب إلا امرأة واحدة، هي أرملة ابن عمه، هيلينا، التي يزورها مرة كل ستة أسابيع، حيث يتجاذبان أطراف الحديث ساعة أو ساعتين، ثم يفترقان وقد غمرهما شعور بالارتياح لانتهاء الحوار، بعد أن أفلح كل منهما في أن يخفي عن الآخر شعوره بالوحدة والعزلة.
يمضي بول إلى البندقية وحيداً لقضاء عطلة عيد الميلاد هناك، ربما بلا فلات من متاعب الاضطرار لزيارة هيلينا في هذه المناسبة، وهناك يلتقي فيكي، المرأة التي تصغره بعشرين عاماً والتي خاضت مؤخراً تجربة الطلاق، ولم يعد لديها من تعتمد عليه مادياً وتلقي على كاهله أعباء أنانيتها المفرطة.
ولدى العودة إلى لندن لا تتردد فيكي لحظة في استغلال بول، حيث تصل إلى شقته مثقلة بحقائبها، معلقة الآمال على أن تفلح يوماً في الاستيلاء على الشقة، على الرغم من تواضعها.
ويبدو لنا واضحاً أن بول لا يحبها، ولكنه يتأثر كثيراً بثقتها بنفسها وبشهيتها المفتوحة للحياة وبانطلاقها في مسيرتها حسبما تريد، وهي بهذا المعنى تبدو لنا تجسيداً واضحاً للشخصيات المريعة عند بروكنر، التي لها شكاواها ولكنها تفتقر للحياة الداخلية.
وحينما يفكر فيها بول، فإنه لا يتردد في أن يحدث نفسه قائلاً: «إنها درس موضوعي في كيفية المضي قدماً. ومن مؤشرات تقدمه في العمر أنه بدأ في الإعجاب بكل الخصال الخاطئة، القوة الصارمة، النزعة للانتصار، الأنانية، وما كان يدينه باعتباره قوة وحشية».
لكن المشكلة هي أن بول لم يرض النساء أبداً، فهو أكثر لطفاً وكآبة واحتياجاً وإخلاصاً من أن يحقق ذلك، وكان يخذله دوماً في هذا الصدد توقه إلى الدار، إلى الحب، وإلى العزاء، وهكذا فإن النساء كن يجدنه مخيباً للآمال.
لكن فيكي ليست الوحيدة التي تعترض طريق بول، فهو ذات يوم وخلال انطلاقة في جيرمي ستريت نحو مكتبة لندن يلتقي مصادفة بسارة، حبه القديم، وقد غدت، حسب تعبير المؤلفة: «في أواخر الستينات، ذلك العمر الذي يسمح بولوج الأسف والندم».
وعلى الرغم من أنه يتذكرها باعتبارها امرأة رشيقة، تكاد أن تكون وحشية في حركاتها، فإنها الآن متواضعة الصحة، أرملة، بلا أطفال وبلا قدرة على الاجتذاب، كما اعتادت أن تكون.
تربطهما صداقة من نوع ما مجدداً، ولكنهما كليهما «ضحيتان للفضائح الكامنة للشيخوخة»، ومن هنا فإنهما لا يطيق أحدهما الآخر، وسرعان ما يفترقان.
وتقول لنا المؤلفة: «لو أن القدر أو الطبيعة قدر لهما أن يكونا رحيمين لارتبطا مجدداً، ولكن القدر نادراً ما يكون رحيماً، والطبيعة لا تكون رحيمة أبداً». وهكذا فإن بول يجد نفسه غارقاً في تأمل الحقيقة القائلة إنه ليس لديه ما يقوم به، ولم تعد لديه صلة إنسانية. وإذ يواجه بول بالحقيقة القائلة إنه سيكون وحيداً عندما تحل النهاية، فإن كل ما يمكن أن يعلق الآمال عليه هو طيبة الغرباء.
وبينما نجد في أعماله سابقة لبروكنر أن أشخاصاً بعينهم هم الذين يجلبون على أنفسهم البؤس، فإننا هنا أمام تعميم لهذه الحالة، فالأوصاف مجردة والحدة قاطعة ونافذة، وهكذا نجد أنفسنا أمام صورة أكثر مدعاة للخوف وتدني المعنويات لمدى القسوة التي يمكن أن تصل إليها الحياة عندما يجد الإنسان نفسه بلا عمل وبلا عائلة وبلا أمل على الإطلاق.
بالطبع، يمكن للمرء أن يطرح العديد من الاعتراضات، ليس على هذه الرواية الرابعة والعشرين لبروكنر، وإنما على مجمل أدبها كله، ذلك أننا نجد أن الشخصيات ميسورة مادياً على نحو غامض، ولا نجد مكانا معاصراً لأحداثها يمكن تعرفه، ونجد الوحدة المطلقة تطبق على الشخوص دوماً، وهناك اعتراضات عديدة أخرى من هذا النوع.
وعلى الرغم من ذلك كله، فنحن في «الغرباء».. أمام رواية عظيمة، حقاً إنها قد تكون رواية رعب، تصور ضراوة الحياة المعاصرة ووحشيتها، لكنها رواية جديرة بالقراءة حقاً، وبأن نتأمل على صقال مرآتها حقائق الحياة والموت.
الكتاب: الغرباء
تأليف: أنيتا بروكنر
الناشر: راندوم هاوس لندن 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
