هناك تقليد سائد في الغرب عامة وهو اصطحاب الأطفال في سن المدرسة الابتدائية وحتى فترة المراهقة الأولى إلى معسكرات لإمضاء عطلة جماعية بصحبة أساتذتهم أو مسؤولين في البلديات أو عن جمعيات الأهالي. وهذه المعسكرات بالتحديد هي موضوع كتاب الباحثة الاجتماعية والأستاذة الجامعية لورا لي- داونس الذي يحمل عنوان: «تاريخ معسكرات العطلة».
وتبدأ المؤلفة بالتأكيد على أهمية هذه الظاهرة حيث بلغ أولئك الذين مرّوا في «معسكرات العطلة هذه» حوالي 60 مليون طفل ومشرف، وذلك على مدى 130 سنة منذ تأسيسها في عام 1880، أي استقبلت ما يعادل تقريبا عدد سكان فرنسا.
إن لورا لي- داونز تؤرخ للظاهرة منذ بداياتها، وتشير إلى خطأ فكرة شائعة في فرنسا تقول أن «معسكرات العطلة» بدأت مع فترة حكومة «الجبهة الشعبية» في ثلاثينات القرن الماضي العشرين، كي تعيد تأسيسها إلى عام 1880. وتؤكد أن ذلك لم يكن بمبادرة من البلديات التي يعتبرها كثيرون رائدة في هذا الميدان، بل بدأت جمعيات «بروتستانتية» وبعدها جمعيات كاثوليكية بتنظيم «معسكرات العطل» أولا. كما تؤكد المؤلفة أن الأحزاب السياسية أولت هي الأخرى أيضا اهتمامها منذ فترة مبكّرة بتلك الظاهرة، وليس فقط أحزاب اليسار مثلما تقول فكرة «خاطئة» شائعة.
ولكن أحزاب اليمين أيضا كان لها دور نشيط في هذا الميدان.ولم يكن «اكتشاف» أبناء الطبقات الوسطى المدينية لمفهوم «العطلة» نفسه على شاطئ البحر أو في عمق الأرياف بعيدا عن «بروز» ما يشبه «واجب العطلة» على المستوى العائلي أولا ثم تطور كي يصبح وليد مبادرة المؤسسات العامة الحكومية أو الخاطئة ليصبح الواجب «تقليدا» ثم «قرارا مُلزما».
وتقوم المؤلفة بالتأريخ لظاهرة «معسكرات العطلة» على أساس تطورها بالتوازي مع مجموعة من الحقب الزمنية، كما يبدو التقسيم الذي تبنّته في تبويب محتويات الكتاب. هكذا ترى أن فترة سنوات 1881-1914، أي منذ تأسيس أول معسكر للعطلة وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى كانت الأفكار المتعلقة بـ «تنشيط الجسد وتربية الذهن في أصل بروز معسكرات العطلة في فرنسا».
هكذا ترى المؤلفة أن «تاريخ معسكرات العطلة» يندرج في سياق من المنافسات ذات الطبيعة المتعددة إذ دخلت فيها مجموعات التمثيل الديني والأحزاب السياسية والسلطات العامة. ولكن التقى الجميع على ضرورة دعمها مع العمل على جني فوائد خاصة منها. وكان النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد اهتماما متعاظما في فرنسا، وفي أوروبا عامة، بـ «العطلة» وبالتالي المدارس الابتدائية التي أصبحوا يمضون حتما فترات لمدة أسبوعين أو أكثر فيما أُطلقت عليه تسميات «صفوف البحر» أو «صفوف التزلج على الجليد» خلال موسم الشتاء.
وإذا كانت لورا لي- داونز تؤكد على أن «معسكرات العطلة» تبقى أحد «رموز» فترة الجبهة الشعبية في فرنسا رغم أنها تأسست قبلها بنصف قرن من الزمن، فإنها تؤكد على أن العلمانيين ورجال الدين في فرنسا كانوا قد رؤوا في إقامة «معسكرات العطلة» وسيلة للسيطرة على شرائح أوسع من السكان وفرصة لترسيخ بعض القيم «الجمهورية» بالنسبة للعلمانيين و«الأخلاقية الكنسية» بالنسبة لرجال الدين. وبهذا المعنى يتم التأكيد أن الرهان الأساسي لهذه «المعسكرات» كان سياسيا أكثر مما كان تربويا. الجبهة الشعبية أعطت للظاهرة «إطارها القانوني الوطني.
وتشير المؤلفة إلى أن «معسكرات العطلة» فقدت الكثير من «بريقها» منذ سنوات الستينات المنصرمة، ذلك أنها كانت مصممة أصلا من أجل أطفال المدن المحيطية الصغيرة وأبناء ضواحي المدن الكبرى. سكان هذه التجمعات السكانية أصبحوا يميلون إلى عدم مغادرة أماكن تواجدهم. هنا تفتح المؤلفة قوسين كي تشير إلى أن السنوات العشر الأخيرة شهدت نشاطا جديدا على صعيد «معسكرات العطلة»، ولكن هذه المرة بفضل «الدينامية» التي تتحلّى فيها «جمعيات» أهلية وثقافية جديدة، ومما يجعل المؤلفة تميل إلى القول أن هذه الظاهرة قد تتنشط خلال السنوات القريبة المقبلة.
وتحدد لورا لي- داونز فترة ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، أنها كانت بمثابة «الفترة الذهبية» بالنسبة لمعسكرات العطلة التي نظّمتها البلديات. وتشير خاصة إلى الدور الكبير الذي لعبته بلدية «سورين» بالقرب من باريس في هذا الإطار. كما تشير في هذا السياق إلى أن «الشيوعيين استلهموا من الكاثوليك» من أجل تنشيط معسكرات العطلة في البلديات التي كانوا يسيطرون عليها، مثل «ايفري سورسين» بالقرب من باريس أيضا.
الكتاب : تاريخ معسكرات العطلة
تأليف: لورا لي- داونز
الناشر: بيران باريس 2009
الصفحات: 433 صفحة
القطع: المتوسط
Histoire des colonies de vacances
Lauura lee-downs
Perrin -Paris 2009
433P.
