يحدد كتاب «التحولات الصامتة» لمؤلفه فرانسوا جوليان مجموعة من «المؤشرات على التبدل الجاري في جميع الميادين» في عالمنا، وهو تبدل يتراوح من «تسوية الجبال» إلى الدراسات الخاصة ب«علوم الخلايا والوراثة».

ويشرح المؤلف السبب العميق لعدم «إدراكنا» في الأمس، واليوم أيضا، لما يجري أمامنا من تبدل وتحول، إنما يعود بالنسبة للعالم الغربي إلى كون أن الفلسفة اليونانية، التي تشكل أحد الأصول الجوهرية للفكر الغربي، تقيم محاكمتها العقلية على أساس «أشكال محددة ومؤطرة» وبالتالي لا يمكنها أن «تلتقط» الحالة «غير المحددة» الملازمة لآلية التحوّل.

ومن هنا بالتحديد يؤكد فرانسوا جوليان على أهمية «المرور» عبر الفكر الصيني من أجل التنبّه إلى ما يسميه ب«التحوّلات الصامتة» التي تجري على المدى الطويل وتلقي الضوء على «عمليات النضج» التي يعرفها التاريخ، وتعرفها الطبيعة». ويرى المؤلف أن «الفكر الصيني» يمكن أن يساعد على الانتقال من «المفاهيم الوصفية» إلى صياغة المفاهيم، وذلك أبعد من الفكر الغربي القائم على مفهومي «الهدف» و«الخطة» بالتحديد.

إن المؤلف يفضّل استخدام صفة «الصامتة» وليس «غير المرئية» بالنسبة للتحولات التي يعرفها البشر ويعرفها عالمهم ومحيطهم وشخصهم، ذلك أنها تحولات تجري «دون ضجيج» و«دون إنذار» وبحيث يبدو أنها «لا تريد أن تثير قلقنا»، رغم أن تلك التي تعنى بمسيرة حياتنا سوف تنتهي ذات يوم إلى «تدميرنا».

ويصف المؤلف تلك الدهشة التي لا يمكن إلا أن تعلو وجه أي إنسان يرى أمامه صورته قبل عشرين أو ثلاثين سنة. لا بدّ من أن يطرح على نفسه السؤال: هل من المعقول أنني كنت صاحب هذا الوجه؟ أو سؤال آخر: هل هذا هو أنا بالفعل؟

«الفلسفة الأوروبية»، كما يرى المؤلف، تركت فجوة كبيرة بخصوص إدراك التحول الجاري. لكنه يؤكد بالمقابل أن الفكر الصيني يمكنه أن يساعد على «توسيع إدراكنا للعالم».

والعنصر الأول يتعلق باللغة، ذلك أن اللغات الأوروبية تقوم على التعريفات والتصنيفات بين نوع وعدد وفعل وتصريف، ثم إن «منطقها التحليلي يدفع بالتفكير إلى القيام بمحاكمات عقلية على أساس «فئات منفصلة، متمايزة». هذا «على عكس ما يجري في الطبيعة، حيث جميع العناصر تتواصل فيما بينها وتتبادل التأثير حسب حركة لا تتوقف عن التبدل».

وعلى صعيد الفلسفة يشير فرانسوا جوليان إلى أنه منذ زمن سقراط وأفلاطون يستمر في الغرب تقديم العالم على أنه محكوم ببداية «بأصل» وبنهاية، وبينهما «يجري الزمن». وذلك على أساس أن العالم والبشرية لهما «اتجاه» محدد مسبقا وأن الوجود محصور بغاية. ويرى الفكر الغربي أن الإنسان الغربي يعتبر نفسه «سيد الطبيعة ومالكها» وأنه يتصرف باسم ميادين وأهداف محددة. باختصار «إن هذا العالم القائم على التجريد يدفعنا للابتعاد عمّا هو قريب منا، وما نحن في علاقة عضوية معه».

على العكس يعتبر المؤلف الفهم الصيني للعالم بأنه عملي «براغماتي» وعلى عكس العقلانية اليونانية لا يعتبر «الحكيم الصيني» نفسه مسيطرا على العالم، ولكن بالأحرى جزء منه. وهذا يقبل مفهوم التحوّل بمقدار ما يستمر العالم، تحوّل الطبيعة والإنسان.

«التحولات الصامتة»، أو كيف يتعارض الفكر الغربي والفكر الصيني حول رؤية العالم، ومصير الإنسان.

الكتاب: التحولات الصامتة

تأليف: فرانسوا جوليان

الناشر: غراسيه باريس 2009

الصفحات: 193 صفحة

القطع: المتوسط

Les transformations Silencieues

Francois Julien

Grasset -Paris2009

193P.