«السكير وبائع الزهور» هو كتاب لمؤلفه نيكولا ويرت عن تلك المجزرة التي عرفها الاتحاد السوفييتي في ظل حكم جوزيف ستالين خلال عامي 1937-1938. وهذا ما يطلق عليه المؤلف تسمية «تشريح مجزرة جماعية».
ويذكّر المؤلف بداية بذلك الأمر ذي الرقم «00447» الذي أصدره ستالين بتاريخ 30 يوليو-تموز من عام 1937. كان يمكنه لذلك الأمر أن يبقى «طي الكتمان» لو لم يكن مؤلف هذا الكتاب قد نقّب في الأراشيف السرية للمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي وأراشيف الأجهزة السرية السوفييتية. ويبحث مؤلف هذا الكتاب القمع الذي مارسه ستالين آنذاك تحت عدة عناوين مثل «أشكال تصفية النخب» و«آليات اتخاذ القرارات» و«منفذو العمليات» و«كم عدد الضحايا»؟كان ذلك الأمر السرّي الذي أصدره ستالين يقضي بتصفية «العناصر المعادية للثورة» سرّا. كما حدد بالتفاصيل والأرقام، منطقة إثر منطقة، عدد أولئك الذين ينبغي اعتقالهم ونسبة من سيتم «إعدامهم» منهم. وينقل المؤلف عن ذلك الأمر الذهاب أبعد في التفاصيل وتقسيم «عاثري الحظ» الذين يتم القبض عليهم إلى فئات: «الفئة الأولى: ينبغي إعدامهم»، «الفئة الثانية: يتم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال والأشغال الشاقة لمدة عشرة سنوات».
لكن رغم الأوامر الصريحة والدقيقة الصادرة لم تلتزم سلطات الأمن وأجهزة الشرطة السرية المكلفة بتنفيذها بما تنص عليه بل جرى تجاوز «الحصص» المحددة، بشكل عشوائي ودون أية ضوابط. كما أن تلك الأجهزة دخلت في «منافسة» فيما بينها لإثبات أي منها هي الأكثر فعالية بحثا عن إرضاء السلطات العليا.
ويشير المؤلف في هذا السياق على الفعالية الكبيرة التي أظهرتها الأجهزة المعنية في موسكو تحت إشراف «نيكيتا خروشوف» الذي خلف فيما بعد ستالين بعد موته وكان أول من دعا إلى «نزع الستالينية» أثناء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956. وبعد أن ألقت الشرطة القبض على جميع الذين كانت تحوم الظنون حولهم، جاء دور «الأبرياء».
وسرعان ما نظّمت الآلة القمعية قوائم جديدة. كما أولت اهتمامها بأمر «الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثلاث سنوات والذين تمّ النظر إليهم على أنهم خطيرون اجتماعيا». وبالنتيجة طال القمع الدموي المجتمع السوفييتي برمته وبجميع مكوناته. ذلك على أساس أن الأمر الذي وقّعه ستالين وطال كل من جرى اعتباره، على أسس مختلفة اجتماعية وطبقية أو غير ذلك، معاديا للاتحاد السوفييتي ولنهجه «الثوري».
لقد استمرّ الرعب الكبير الذي مارسه النظام الستاليني من بداية شهر أغسطس-آب 1937 وحتى شهر نوفمبر-تشرين الثاني من عام 1938. وكانت النتيجة التي آل إليها، كما جاء في تحليلات المؤلف، هي الفشل الكامل بحيث أنه قد ترتبت عليه نتائج سلبية كبيرة ليس أقلّها أهمية خلل آلية عمل المؤسسات ومختلف دوائر الدولة التي جرى «إفراغها» من كمٍ كبير من الكفاءات التي جؤى اعتقالها، والأمر نفسه بالنسبة للاقتصاد.
ومن النتائج التي يؤكد عليها المؤيلف قوله أن الشرطة السياسية السوفييتية أصبحت بسبب القمع والاعتقالات الجماعية التي قامت بها ذات سطوة كبيرة، مما أثار حفيظة القيادة السياسية في الكرملين وغضب ستالين.
وهكذا جرت تصفية العديد من كوادرها به، وذلك تحت حجة مفادها أن تلك الشرطة لم تكن فعّالة إلى درجة كافية في تنفيذ أوامر السلطة السياسية العليا. هذا إلى جانب خرق «الشرعية الاشتراكية» تحت النفوذ المزعوم لبعض «الجواسيس الأجانب». هذا رغم أن حصيلة القمع الذي كانت قد قامت فيه ذهب ضحيته حوالي 750000 بالإضافة إلى 800000 آخرين جرى اقتيادهم إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا وغيرها لتنفيذ حكم الأشغال الشاقة بحقهم لمدة عشرة سنوات.
«إن الجلادين يمكن أن يصبحوا بدورهم ضحايا»، هذا ما يؤكده نيكولا ويرت، مؤلف هذا الكتاب، وهو يبحث على مدى العديد من الصفحات في آلية اتخاذ القرارات التي أدّت إلى «سلسلة من الرعب» و«التصفية الاجتماعية».
كما يصف المؤلف «صيغ» ذلك الرعب ويحلل الدوافع التي كانت محرّك اولئك الذين كانوا «أدوات تنفيذه»، وحيث كانوا هم أنفسهم يعيشون حالة من الرعب بسبب التهديد الذي كان يمثله بالنسبة إليهم فشل تلك السياسة «التي لم يكونوا يفهمونها وربما يمكن أن تنقلب ضدهم.
الكتاب: السكير وبائع الزهور
تأليف: نيكولا ويرت
الناشر: تالاندييه باريس 2009
الصفحات:222 صفحة
القطع: المتوسط
vrogne et le marchand des fleurs
Nicolas Werth
Tallandier-Paris 2009
222P.

