منذ مطلع القرن العشرين راجت في كتب الأدب العربي مقولة تخص الشعر الشامي أكدها طه حسين في كتابه «من تاريخ الأدب العربي» مفادها انه (متواضع متوار في الشام إذ لا يكاد يوجد في الشام إلا شاعر أو شاعران والشعر الذي نجده أو نسمعه في الشام في العصر الأموي إنما هو شعر يحمل إليه من الأقاليم الأخرى). وهذا الرأي يعارضه الشاعر والناقد ياسر محمود الأقرع في كتابه «الحب عند شعراء الشام في العصر الأموي» .

حيث يرى ان هذه النظرة السلبية شاعت حتى عدت من البديهيات لأن الشعر الشامي لم يأخذ حقه من الاهتمام، فمعظم الباحثين مروا سريعاً عليه دون تأمل، وانشغلوا عنه بتاريخ الشام السياسي في العصر الأموي الذي كان له دور كبير في التاريخ العربي مذ نقل معاوية بن أبي سفيان الخلافة من حاضرة الإسلام في الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، حتى انتزعه منهم بنو العباس ونقلوا الخلافة إلى بغداد، فأنهوا بذلك الحقبة الأموية بكل ما فيها من حروب، واغتيالات، ودماء، وحب، وغزل، وقصائد.لهذا اختار (الأقرع) أن يبدأ الكشف عن الديوان الشامي، بشعر الحب لسببين:

الأول: إنه عاطفة بشرية مشتركة في كل العصور ولدى جميع الأمم، ولا يفقد دلالاته وأهميته بمرور الزمن وتبدل الأقاليم. والثاني: إنه تناول جانباً منسياً بعد طغيان الشعر السياسي في الشام في تلك الحقبة، وما جره من قصائد مصنوعة لاسيما المادحة للخلفاء والأمراء.

لم ينشأ الشعر الشامي منقطعاً عن الشعر العربي في شبه الجزيرة العربية، بل حرص على تقليده، حتى ان قصائد الكثير من شعراء الشام لم تخل من الوقوف على الأطلال ووصف الرحلة على النوق والجمال، رغم أنهم لم يعهدوا ذلك في ديارهم، ولكنهم اتبعوها اقتداءً حتى نضجت تجاربهم الشعرية، وتطورت بحرية لا تعترف بالضوابط، لاسيما أن شعراء الشام لم يتحرجوا من الخروج على حدود الإسلام لعدم تشدد ترسخ القيم الإسلامية لدى الكثير من أبناء ذلك العصر، وهذا ما أدى إلى عودة الروح الجاهلية وعصبياتها، فكثرت المساجلات الشعرية المعروفة بالنقائض التي اشتهر فيها (الأخطل ؟ الفرزدق - جرير).

وبرغم ذلك لم يخل الشعر الشامي من الشعر العفيف المعروف بالعذري. ولا يرى (الأقرع) أن سبب تلك العفة نتيجة التدين الشديد، بل نتيجة الأعراف القبلية، فضلاً أن الشاعر الغزلي وجد عالمه الروحي في ذلك الحرمان الذي يؤجج مشاعره ويسيل الشعر على لسانه.

وأهم ما يميز الغزل الصريح انه انعكاس لتجربة حياتية واقعية لشاعر يبحث عن الحب والمتعة لإطفاء شهوته المتوقدة التي لم يتحرج من المجاهرة بها أمام المجتمع الذي لم يكن الشاعر معنياً بأعرافه، ورافضاً لكل نواهيه التي لم يقم لها وزناً، لاسيما إذا كان في حماية السلطان. وتجدر الإشارة هنا إلى بعض الشعراء الذين تغزلوا صراحة بنساء الخليفة والأمراء لا حباً بهن.

بل تشهيراً بأزواجهم وعصياناً لهم، وبذلك تمازج الغزل الصريح بالأهداف السياسية أيضاً. بينما اكتفى الشاعر العذري بأن يرجع وقوعه في الحب إلى قضاء الله وقدره، وكأنه بذلك يبرر أو يعتذر لمجتمعه عن سبب تصرفاته التي لا تجد القبول لدى أفراد مجتمعه. أما المرأة المحبوبة فهي بعيدة المنال، بل قد لا تكون عابئة بمن يتعذب بحبها ويقول الشعر في ذلك. أما المرأة لدى الشاعر الصريح فهي تبادله الحب، وقد تبادر إلى طلب الوصل، فهي لا تقل عن الشاعر شغفاً بالعشق والمتعة.

ولكن هل الضوء الذي سلطه المؤلف على شعراء الشام في العصر الأموي يكفي لإعادة النظر في هذا الشعر..؟ أم أن شعراء العصر الأموي في العراق والحجاز، وشعراء العصور التالية أيضاً، لن يفسحوا لهم مساحة خارج الهامش الشعري العربي لأن ثمة إجماعاً على أن بلاد الشام كانت مسرحاً لرجال السياسة وليس لشعراء الحب؟!

الكتاب: الحب عند شعراء الشام في العصر الأموي

تأليف: ياسر محمود الأقرع

الناشر: دار الإرشاد دمشق 2008

الصفحات: 256 صفحة

القطع : الكبير

سامر أنور الشمالي