هذا ليس كتاباً في العقيدة، وإنما هو كتاب في الاعتقاد، ليس كتابا في التنظير لعلاقة الإسلام بالديمقراطية من باب ما ينبغي أن يكون وإنما هو كتاب عن المسلمين وكيف يتعاملون مع الديمقراطية وبدائلها قبولا أو رفضا. ويجتهد الكتاب، كما يقول الدكتور المعتز بالله عبد الفتاح، في الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك عداء حقيقي بين المسلمين والقيم الديمقراطية؟

فإذا كانت شعوب العالم الأخرى تناضل من أجل الديمقراطية على نحو ما رأينا في رومانيا وأوكرانيا وجورجيا وتشيلي.. فلماذا لا نفعل مثلهم؟ أم نحن نفعل؟ ويشير المؤلف بداية إلى ما يعتبره اتفاقا على أعراض المشكلة، وان كان من المثير للتأمل والخلاف هو رصد أسبابها، فهناك شبه إجماع إن لم يكن إجماعا على تراجع الديمقراطية في العالم الإسلامي، والمؤشرات على ذلك عديدة ليس أقلها ذلك الذي يشير إلى ارتفاع نسبة الدول الإسلامية من بين إجمالي الدول غير الديمقراطية من 25% عام 1975 إلى 55% عام 2007.

لقد كانت النتيجة المنطقية لذلك ذهاب كثير من المحللين، بالذات الغربيين، إلى اعتبار أن الإسلام مسؤول، صراحة أو ضمنا، عن عدم قبول الكثير من المجتمعات المسلمة للقيم الديمقراطية، فالمسلمون كأغلبية منتشرون في أكثر من 50 دولة لا يجمع بينها من شيء سوى الإسلام وندرة الديمقراطية!

وإذا كان الكثيرون انطلقوا في حكمهم المشار إليه انطلاقا من تفسير انتقائي للنصوص الدينية فإن المؤلف يحاول أن يصل إلى حكم بشأن الظاهرة موضوع الكتاب من خلال البحث الميداني من خلال المسلمين أنفسهم سواء باستطلاع الرأي أو بالمجموعات البحثية المركزة أو بالمقابلات الشخصية مع قادة الفكر والرأي.

النقطة المثيرة للدهشة التي يشير إليها المؤلف هي ندرة الدراسات التي جعلت من الفرد المسلم وحدة التحليل، ومن هنا يسعى الكتاب لما يصفه بالقياس الرقمي للتوجهات التي يتبناها نحو الديمقراطية وبدائلها.

يتمثل السؤال المركزي للكتاب في التالي: هل قيم وتوجهات المسلمين تمثل عائقا في سبيل عملية التحول الديمقراطي في الدول ذات الأغلبية المسلمة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فلأي مدى ترتبط النظرة السلبية للديمقراطية بالإسلام كدين يعتنقه ويمارس شعائره المسلمون؟

وإذا كانت الإجابة بلا، فما هي العوامل الأخرى التي تقف حجر عثرة في مواجهة تحول ديمقراطي حقيقي وأصيل في العالم الإسلامي؟

ويغطي استطلاع قام به المؤلف 31 ألفا و380 مسلما متعلما في 32 دولة إسلامية عبر الشرق الأوسط بالإضافة إلى الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة والهند وأوروبا.

في تناوله لموضوعه يقسم المؤلف مواقف قادة الرأي إلى فئات ثلاث هي مواقف الإسلاميين التقليديين ومواقف الإسلاميين التحديثيين ومواقف العلمانيين. ثم يتناول العوامل والفاعلين الذين يشكلون توجهات المسلمين نحو الديمقراطية من خلال تحليل المعلومات المتاحة لمعرفة تأثير العوامل الديموغرافية مثل الدخل والتعليم والسن والجنس على توجهات المسلمين تجاه عناصر الديمقراطية.

ثم يتناول توجهات المسلمين نحو ثلاثة أنواع من الفاعلين حكامهم والدول الغربية وعلماء الدين الإسلامي لمعرفة كيف تؤثر رؤية الإنسان المسلم لكل فاعل من هؤلاء الفاعلين على توجهاته بشأن الديمقراطية.

ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى القيام بعملية تحليل على مستوى الفرد لمعرفة كيف ولماذا تتفاوت آراء المسلمين داخل المجتمع الواحد؟ إلى كيف تتفاوت المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة فيما بينها؟

ومن الاستنتاجات المثيرة للتأمل التي يقدمها الكتاب أن دعم المشاركة والتنافس السياسي على سبيل المثال لا يعني بالضرورة دعما للتسامح السياسي، وأن دعم الديمقراطية لا يعني بالضرورة أن الشعوب على استعداد لتقديم تضحيات ثمينة في سبيل تحقيقها.

كما يشير المؤلف في استنتاجاته إلى أنه بغض النظر عما إذا كان المسلمون يدعمون الديمقراطية أم لا فإن الخبرات الشخصية وكذلك الفوائد المتوقعة من عملية الديمقراطية تلعب دورا مهما في تشكيل توجهات المسلمين نحو الديمقراطية، وعلى ذلك يقرر أنه يمكن استنتاج أن المسلمين ليسوا ضد الديمقراطية بشكل غير عقلاني، أو انفعالي، كما حاول بعض الدارسين إظهارهم. بل ان المؤلف يشير إلى أن الإسلام نفسه وجد كأحد العوامل البيئية المتعددة التي تشكل التوجهات نحو الديمقراطية وأن ظهوره وإن كان قويا نسبيا يختلف من مجتمع إلى مجتمع.

الكتاب: المسلمون والديمقراطية

تأليف: د. المعتز بالله عبد الفتاح

الناشر: دار الشروق القاهرة 2008

الصفحات: 303 صفحات

القطع: الكبير

مصطفى عبد الرازق