«غموض مصير الإنسان يعني أننا قدريون، لكن يعود إلينا خيار ملء دورة قدرنا أو تركها خاوية: إدراك مصير قدرنا مرهون بنا. علما أن الكائنات الأخرى غير الإنسانية مثل الصرصور تعي كامل دورتها دون أن تحيد عنها، لأنها لا تقوم بأية خيارات»، قول ورد على لسان أحد شخصيات الروائية البرازيلية وكاتبة القصة القصيرة والصحافية كلاريس ليبيكتور، التي تعتبر من أبرز شخصيات البرازيل الأدبية في القرن العشرين.
قال المترجم الأميركي غريغوري راباسا عن ليبيكتور التي ولدت في أوكرانيا في 10 ديسمبر عام 1920، أنها شخصية نادرة تكتب مثل الأديبة البريطانية فيرجينيا وولف وتبدو مثل الممثلة الجميلة مارلين دييتريتش.
وقد حققت شهرتها الأدبية حينما كان عمرها 23 عاما مع صدور أول رواية لها بعنوان «قريبا من القلب البري» خلال دراستها القانون في الجامعة، واعتبر أسلوبها الروائي في كتابة المونولوج بالتركيز على المشاعر الداخلية ولغة السرد بمثابة ثورة أدبية في البرازيل.
رحلت عائلتها من أوكرانيا مع الحرب العالمية الأولى واستقرت إلى حين في رومانيا لتهاجر بعدها إلى البرازيل لتعيش في حي فقير. وفي ريو دي جانيرو عملت ليبيكتور خلال دراستها الجامعية في الصحافة، ونشرت أول قصة لها «النصر» عام 1940. في العمل التقت بزوج المستقبل الذي عمل في السلك الدبلوماسي مما أتاح لها السفر والعيش في أوروبا وأميركا.
أما روايتها الأولى الوارد ذكرها فقد نشرت عام 1943، وقال عنها الناقد والشاعر ليدو إيفو أنها أهم امرأة كتبت الرواية باللغة البرتغالية، وآخر قال إنها التي أزاحت مركز الجاذبية الذي كان يتمحور حول الرواية البرازيلية لمدة عشرين عاما.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية انتقلت مع زوجها إلى نيبال، وهناك كتبت روايتها الثانية «الثريا» التي نشرت عام 1946. في محطتها الثانية في سويسرا شعرت بالملل والإحباط لهدوء ورتابة المدينة بيرن التي عاشت فيها ولم ينقذها من الاكتئاب سوى كتابتها لروايتها الثالثة «المدينة المسورة» التي نشرتها في العام ذاتها.
ومن سويسرا إلى لندن فالولايات المتحدة، تابعت رحلتها مع الكتابة ونشرت العديد من القصص القصيرة التي نشرتها في كتاب بعنوان «روابط عائلية» عام 1961، وذلك بعد عامين من استقرارها النهائي في وطنها الأم. أما أطول رواياتها وأعقدها «التفاحة في العتم» التي كتبتها حينما كانت في بريطانيا، فقد نشرتها عام 1961.
وفي عام 1964 نشرت أحد أهم رواياتها وهي بعنوان «المشاعر تبعا لجي. إتش»، ولم يمنع الحادث الذي تعرضت له ومعاناتها الدائمة من كتابة روايتها القصيرة الأكثر شهرة «ساعة النجمة» التي نشرتها عام 1977 لتوافيها المنية في 9 ديسمبر من العام ذاته.
تتناول ليسبكتور في روايتها «ساعة النجمة» عدة محاور، فعلى الصعيد الفلسفي تناقش فكرة السعادة والتعاسة والموت وعلى صعيد الواقع الفقر والبراءة إلى جانب مناقشة فكرة أدب الخيال وربطها بالواقع من خلال الراوي رودريغو، الذي يطرح العديد من التساؤلات الخاصة بالكاتب والأدب وعالم المؤلفين الداخلي.
تبدأ الرواية ببحث رودريغو عن موضوع مختلف لروايته الجديدة، وفي أحد الأيام يصادف فتاة في الطريق لا شيء يميزها على كافة الأصعدة، ومع ذلك توقظ في داخله روح الكاتب. ومن خلال تخيله وتقصيه لعالمها يتعرف القارئ على بطلة الرواية التي لا يعطيها اسما إلا في منتصف الكتاب.
ومن خلال البطلة ماكابيا، تصف المؤلفة بؤس حياة الطبقة الفقيرة التي تعيش في الشمال من مدينة ريو دي جانيرو. ذلك البؤس الذي تعيشه ماكابيا ولا تدركه، والتي تعتقد أن هجرتها من القرية وقدرتها على العمل كطابعة في المدينة انتصارا كبيرا.
ماكابيا التي لا تأكل سوى (الهوت دوغ) ولا تشرب سوى الكوكاكولا والتي تود لو كانت مثل الممثلة مارلين مونرو. ولم تكن طفولتها بأفضل، إذ عاشت مع عمتها التي عاملتها بقسوة بعد وفاة والديها بمرض التيفوئيد. ولم تدرس سوى ثلاث سنوات في المرحلة الابتدائية، وكان ذلك سبب معاناتها في عملها حيث عليها تهجئة الكلمات.
كما يتعرف القارئ على نموذج آخر من تلك الطبقة، من خلال صديق ماكابيا الأول الشاب أوليمبيكو الذي يعمل في مصنع للحديد إضافة إلى مهنته كلص محترف مع تبجحه بارتكاب جريمة قتل. وسرعان ما يتخلى أوليمبيكو عنها مفضلا عليها صديقتها في العمل غلوريا ابنة القصاب المقتدر ماديا.
ولتجاوز أزمتها الصحية والنفسية نصحتها غلوريا المتعاطفة معها أن تذهب إلى العرافة لتقرأ لها طالعها. عند العرافة تعيش ماكابيا أسعد وأجمل ساعة من حياتها، إذ تقول لها العرافة إن حياتها البائسة ستنتهي قريبا، لتعيش حياة مرفهة سعيدة بصحبة شاب وسيم. تغادر ماكابيا، وتسير وهي مذهولة أكثر منها سعيدة، وما إن تنزل عن الرصيف حتى تصدمها سيارة مسرعة.
وعلى قارعة الطريق تلفظ ماكابيا أنفاسها وتتقبل موتها وهي تتساءل لم أتاها الموت قبل أن تعيش وهم الكلمات التي سمعتها قبل قليل. وكما بدأ الكتاب بكلمة القبول نعم ينتهي بها.
الكتاب: ساعة النجمة
تأليف: كلاريس ليبيكتور
الناشر: نيو دايركشنز
الصفحات: 96صفحة
رشا المالح
