تتنفس المعروضات رئة واحدة، وربما يعد هذا ضعفا أو نقصانا، ولكن ليس هو كذلك مطلقا، فهذا المعرض يأتي بجماعة من الفنانات يمتلكن عضويات في مرسم رأس الخيمة التابع لجمعية الامارات للفنون التشيكلية يقودهن مرشد، أو معلم، أو يمكن أن نطلق عليه ملهم ايضاـ يأتين من خندق واحد ويستلهم افكارهن من فضاء واحد، بالرغم من أن الاعمال تدل كذلك على تفردات.
ففي هذا المرسم يلتقي الاستاذ المشرف دائما مع أفكار المشتغلين معه في المرسم من المتدربين والمتدربات، هذا الالتقاء من الطبيعي له إشاعة حالة من التأثير، هذا التأثير هو الذي يدفع إلى ذلك التشابه الذي قد يفسر الناقد نقصية، فيما هذا التشابه هو في الأصل خلاصة انشغالات واشتغالات تأخذ صفة الورشية، مع هذا لا يمكن القول أيضا أن اعمال المعرض جميعها تأتي من بوابة مدرسة واحدة، فالمواد المنفذ بها تلك اللوحات تتباين في اختلافها، وأفكارها تتعدد وتتنوع ، بالرغم من سيطرة هاجس الهوية. قدم معرض «فضاء جلفار» للفنانات الثلاث عشرة .بالاضافة الى المشرف الفنان عبيد سرور مجموعة جيدة وثرية من اللوحات، بين التعبيرية والكولاج والانطباعية وبين لوحات ذهبت إلى أفكار التجريد اللوني وأخرى اقتربت من اللوحة النحتية وتلك التي ذهبت مدفوعة برومانسية شديدة إلى موضوع الموروث واستعادته من الغياب، مما ترك سؤالا كبيرا لدى التشكيلي الدكتور محمد يوسف.
وهو يتجول بين لوحات المعرض، حول السبب الذي دعى الفنان عبيد سرور إلى دعم أفكار مجموعته من التشكيليات أو التأثير عليهن ليذهبن إلى جرأة كبيرة في التجريب على اللوحة والى غياب الوحدة الموضوعية في المعرض «استخدامات كثيرة وتنويعات على المواد الخام بشكل عشوائي» كما يقول د. يوسف.. وهو يشير هنا، بل يؤكد على ضرورة دراسة المعروض من اللوحات بشكل جيد لكي لا تختلط المدارس ولا تتبعثر شفافية الفرجة ساعة التلقي وضرورة مراعاة عدم الزج بالفنان التشكيلي الذي يتلمس خطواته الأولى إلى متاهات المفاهيمية والتجريب بهذه السرعة. يتحمس د. يوسف إلى التشكيلي عبيد سرور كقائم على مرسم رأس الخيمة ويدافع عن كد هذا التشكيلي وكدحه واجتهاده الدؤوب وتضحياته من اجل التدريب والتعليم والعناية بمريديه والمتدربين تحت يديه، لكنه في الوقت ذاته يوجه له عتبا يشبه الدعوة إلى الهدوء والتريث والتخفيف من الازدحام الذي عكسته أعمال المعرض.
فالدكتور محمد يوسف الذي يمتلك تجربه منفتحة ومتشظية من خلال مسيرة نحتية حافلة بالمنجزات، مثلما يتكيء على تاريخ طويل من العمل الميداني في المراسم والمحترفات والعمل الاداري مع الشباب والهواة والمتدربين، وقيادته جمعية الامارات التشكيليين والعمل على تأسيس مراسم تدريب في أنحاء من متفرقة من البلد، يدرك أن هذا المعرض الذي هو نتاج مرسم، يجمع أعمال عدد كبير من التشكيليات هو انجاز كبير بحد ذاته.
ومهم في هذه المرحلة، كما يعترف بما قدمه مرسم رأس الخيمة من قيم فنية عالية ومن عمل شاق في ميدان التدريب ورعاية المواهب. إلا أن العتب كما يقول يأتي من باب الحب والعرفان للجهد الذي يبذله التشكيلي عبيد سرور في ميدانه التدريبي.
«فضاء جلفار» ضم أعمالا تشكيلية لكل من « عائشة المناعي، فاطمة الشحي، هدى الشحي، مشاعل طارق، سارة زيد، شمسة السركال، عائشة الجسمي، شيخة الخريج، فاطمة احمد، ميسون طارق، شيخة الزناتي، مريم يردي ومرحة اليافعي، بالاضافة الى لوحات المعلم والمدرب التشكيلي عبيد سرور، وهن مجتمعات ذهبن مباشرة إلى معالجة التراث الاماراتي في قالب فني يستخدم رموز البيئة المحلية، وكان واضحا أن المعرض يحاول التمرد على اللوحة الكلاسيكية واستخدامات الوانها، فهناك جرأة كبيرة في جلب مواد مغايرة للمعهود..
فقطعة خشبية من باب تراثي قديم تتموضع في متنصف لوحة تؤشر ألوانها التزيينية إلى حالة من البكائية على الماضي، أو محاولة تتويج هذه المفردة برمز يؤشر على الفقد الكبير، فقد الهوية، غياب الجزئيات الحميمية من حياة الفنانة التي شرعت في تلك اللوحة بالدخول إلى هذا الحنين المعلن..لوحة أخرى تتجرأ وتجلب «برقع» نسائي عملت على تنصيبه اسفل اللوحة التي تذهب مباشرة إلى الحالة ذاتها من الحنين..
شجرة جذعها اخضر بضربات رأسية وأوراقها عبارة عن أكواب زجاجية تلونت بتأثيريه جريئة بألوان الاصفر والأحمر والاخضر والوردي.. أعمال المعلم عبيد سرور هي الأخرى ذهبت إلى هذا الحنين نحو الماضي المغيب او الغائب قسرا، وربما أيضا أرادت الانتفاض ضد هذا الغياب.
وهذا ما يوحي أيضا إلى أن عبيد سرور هو نفسه من قاد تلميذاته في معرض فضاء جلفار إلى التظاهر بهذا الاسلوب الفني، فلوحات عبيد سرور جلبت بالاضافة إلى اعتمادها على التعبير والتجريد اواني الطعام التي كان يستخدمها اهل الامارات قبل التمدن والتحضر، وضع بجرأة تلك «الصينية» القديمة في منتصف اللوحة وابرز بعدها الثالث لكي تفرض حضورها ليس على المتلقي الذي يقف أمامها ولكن في فضاء المعرض بكاملة، «صينية» أو صحن يجتاح اللوحة بقوة.
وكأنه إصرار منه على حث ذاكرة المتلقي لكي تنفض عنها غبار الحداثة في الحياة والذهاب إلى تلك المناطق التي غيبها الجديد. فضاء جلفار معرض يمكن ان يطلق عليه « فضاء الهوية الاماراتية».. فهل قاد عبيد سرور تلميذاته ومريداته إلى هذا العنوان سرا؟
هذا يبدو واضحا ولا يحتاج الى سؤال. أن تجييش مواهب ثلاث عشر تلميذات للذهاب إلى فضاء الحنين هو امر دبر مع سبق الاصرار والترصد. معروضات فضاء جلفار بالرغم من أنها تتفاوت بين الفنانات المشاركات من حيث رصانة التجربة ومستويات الخبرة، بين مشاركات يخطون خطواتهن الاولى وبين سبق لهن التجريب، يؤشر بقوة إلى موهبة واعدة، ويبشر بالتفاؤل، فكون المعرض يجمهر هذا الكم من المواهب النسوية ويذهب بهن إلى مساحة من التمرد على اللوحة الكلاسيكية، يؤشر بالضرورة إلى فورة حامية من الرغبة في التعبير، ولأن الأمر مغلف بالهاجس الوطني والخصوصي والمحلي، فقد نرى لهن في المستقبل تجارب مختمرة ومكتنزة بالممارسة والتدريب.
.هو معرض يدفع إلى التفاؤل في المواضيع التي تناولها، فاليوم الجميع هنا على الأرض يصرخ على الهوية يناديها، يناجيها كي تكون حاضرة..
يعود بنا نتاج «فضاء جلفار» وعملية ان يقود فنان مجموعة من الهواة الى معرض الى بدايات انجاز المراسم التي تأسست في الساحة الاماراتية تباعا، فغياب أكاديميات الفنون الجميلة في مطلع التسعينيات عوضه إنشاء مرسم جمعية الإمارات للفنون التشكيلية الذي عمل على جذب الهواة ومحبي الفنون التشكيلية إليه، كما عمل على إقامة دورات تدريبية للرسم للكبار والصغار، وكان لأسماء لامعة من التشكيليين تأثير كبير في قيادة أولئك الهواة الذين أصبحوا فيما بعد اهم انفسهم مدرسين ومدربين، مثل الفنان التشكيلي محمد كاظم وخليل عبدالواحد وآخرون..
في دراسة مطولة يشير الشاعر عادل خزام إلى منابع الحركة التشكيلية في الامارات، وهي دراسة اجتهد عليها كثيرا لابراز دور المراسم في إنتاج المواهب والفنانين والوصول بالتشكيل المحلى إلى مشارف العالمية..يقول خزام:«بسبب غياب التعليم النظامي الممنهج في المدارس والكليات لمادة «الفن التشكيلي» لجأت الدولة لابتكار أسلوب المراسم الحرة لتدريب الشباب، وكان أولها المرسم الحر التابع لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية الذي أقيم في مقر الجمعية في الشارقة عام ،1980 وبعده بعام فقط أنشأت الجمعية مرسما آخر في مدينة رأس الخيمة، وفي عام 1982 تم افتتاح المرسم الحر للشباب في مقر جامعة الإمارات في العين..
وباشرت العاصمة ابوظبي في العام 1986 بإنشاء المرسم الحر الخاص بالمجمع الثقافي، وتبع ذلك قيام وزارة التربية والتعليم والشباب في شهر سبتمبر من عام 1987 بإنشاء المرسم الحر في دبي كما انشيء في الشارقة عام 1995 مركزان لتعليم الفنون، الأول في خورفكان والثاني في الشارقة.. وكانت المهمات الرئيسية لتلك المراسم تتلخص في توفير المواد والخامات والألوان لتدريب الشباب تحت إشراف مجموعة من المتخصصين والدارسين المواطنين والعرب..
وكان طلاب هذه المراسم يدخلون في دورات قصيرة لتعليم أساسيات فن الرسم ابتداء من رسم الطبيعة بقلم الرصاص وبالفحم وبالأسود والأبيض ثم الانتقال لفهم العلاقة والإدراك بالمنظور الخطي والمنظور الجوي والوعي بالظل والضوء..
وفي تلك المراسم كان يتم التطرق للنظريات اللونية وأساليب المزج وكانت تتم في تلك المراسم ايضا دورات في الخط العربي والتصوير الفوتوغرافي وفنون الكولاج وغيرها. وعادة ما كانت تنتهي كل دورة بمعرض فني من إنتاج الشباب المنتسبين. وقد تولت هذه المراسم مهمة تخريج الفنانين التشكيليين الهواة، فيما انحسرت تدريجيا حركات ابتعاث المتعلمين لدراسة الفن وصارت في أواخر اولويات سياسة التعليم العالي».
كانت العملية تتم في تلك المراسم دون منهج رسمي، بل تعتمد على المعلم، أو المدرب واختيار أساليبه في التعاطي مع المتدربين، فلم يكن هناك منهج، ومن أشهر الذين قدموا خدمات جليلة في التدريس والتدريب في تلك المراسم، المرحوم عبداللطيف الصمودي، عبدالرحيم سالم، حسن شريف، حسين شريف، د. محمد يوسف، عبيد سرور، احسان الخطيب، يوسف الدويك، ياسر الدويك، وعبدالكريم سكر وفي الخط حيدر ادريس ومحمد مختار جعفر ومحمد مندي واخرون..كل هؤلاء تحولوا تحت ضغط الضرورة إلى مدرسين ومدربين، وتخرج من بين ايديهم عشرات من الفنانين والفنانات التشكيليين ليس الاماراتيين فقط، بل وعرب أيضا..
وكان المدرس منهم يقود طلابه في الاغلب إلى مناخاته وأساليبه في التعبير، بل وتوجهاته الفكرية، مثلما فعل حسن الشريف الذي قلب الطاولة على اللوحة التقليدية مع تلاميذه وبدأ معهم مرحلة جديدة في سيرة التشكيل المحلي وبدأت معه مرحلة الفن المفاهيمي الذي بشر له حسن شريف وغرس في عقول وأذهان تلاميذه منجزات عملاقته من التشكيليين العالميين، كان حسن شريف يجلب معه إلى المرسم كتبا عن فنانين اجانب ويغذي بها عقول تلاميذه وبهذا الاسلوب انتشر الوعي التشكيلي عبر تلك المراسم التي لا يمكن إغفال دورها فيما وصلت إليه الحركة التشكيلية المحلية..
مرعي الحليان


