الفنان والنحات سامي محمد، كويتي الجنسية، عربي الهوية/ كوني الانتماء، هاجسه الإنسان ،وهو رمز في بلده، مثل محمود مختار (1891 - 1934) في مصر، وجواد سليم (1921 - 1961) في العراق، وهنري مور (1898 - 1986) في لندن، وأوغست رودان (1840 - 1917) في فرنسا. وأصداء أعماله في العالم العربي توازي بأهميتها أعمال سليم ومختار.
يعتبر الفنان سامي محمد من الفنانين الرواد الذين استطاعوا عبر المثابرة على العمل والبحث والتجربة، أن يتجاوزوا أنفسهم ويصلوا إلى الأسلوب الفني الذي يميزهم، في عالم زاخر بالفن والفنانين، لينطلقوا بفكرهم وأعمالهم وثقافتهم من المحلية إلى العالمية وبالعكس.وللتعرف على تجربة النحات المخضرم سامي محمد والعوامل التي ساهمت في انطلاقه من نطاق المحلية إلى بعد إنساني أشمل وأعمق وأوسع، التقت به «مسارات» بعد تدشين تمثاله البرونزي «السدرة» في بوليفارد برج دبي قبالة سوق البحر في شهر يونيو الماضي.
قال محمد الذي ولد في منطقة الشرق بحي الصوابر في الكويت عام 1943، عن العوامل التي ساهمت في نجاحه كفنان، «كان للتفرغ دور كبير، في تكريس وقتي وطاقتي كاملين للفن، كان ذلك عام 1962 حيث كنت ثاني فنان يصدر قرار تفرغه بعد زميلي عيسى صقر. وأتت مبادرة حكومتنا تلك التي توقفت للأسف في منتصف التسعينات، أسوة بتفرغ الفنانين التشكيليين في مصر في وكالة الغوري. يكفي القول إن التفرغ هو الهواء لروح الفنان، وأنا في عطاء مستمر منذ 36 عاما».
وأضاف، «كانت بداياتي الفنية منذ عهد الطفولة حيث كنت ألعب بالطين وأصنع منه أشكال حيوانات وطيور، لأنتقل بعدها خلال المرحلة المدرسية إلى المشاركة بالأنشطة الفنية، وأبرز ما فيها حينما طلبت منا المدرسة عام 1956 بعد العدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية، التعبير عن تضامننا ووقوفنا إلى جانب الشعب المصري. وقررت الإدارة إقامة مجسم لمعركة بور سعيد وبور فؤاد على مسرحها، كان علينا عمل جنود ونساء وأطفال تحت إشراف أساتذة التربية الفنية في المدرسة.
أنجز المجسم على أدق وأجمل هيئة، وكم كانت فرحتي كبيرة لحظة أذيع أسمي من (ميكرفون) المدرسة، وخرجت لأصافح راعي الحفل الشيخ عبدالله الجابر الصباح. يومها تسلمت أول جائزة في حياتي، وكانت عبارة عن قلم جاف. وخلافا لبقية الأقلام، ظل ذاك القلم نديا في ذاكرتي وقلبي».
وأضاف، «بعد حصولي على منحة دراسية عام 1966 سافرت إلى القاهرة ودرست فيها الفنون التشكيلية لمدة أربع سنوات، كنت خلالها أزور المتاحف والفنانين في مراسمهم وأبحث وأقرأ، ولا أتوقف عن العمل ليلا نهارا».
عن نشاطه بعد عودته إلى الوطن قال، «أسست مع زملائي في المرسم الحر، الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية لتلحقها بقية الجمعيات في منطقة الخليج. كانت الحركة التشكيلية في الكويت آنذاك قوية ومواكبة للتطور الفني عربيا وعالميا.
ثم بحث محمد عن أسلوبه الخاص حيث لم يكن سهلا إيجاد بصمته الفردية وقال، «أنا دؤوب في البحث خلال عملي. درست الفن في السنوات العشر الأولى من عمر تجربتي الفنية سواء في مصر أو في أميركا حيث درست فيها عام 1974 ولمدة عامين. قابلت الفنانين وتحاورت معهم وقرأت الأدب والشعر». ويعلق محمد على كلامه ضاحكا، «لو كنت أمتلك قدرة الحفظ لأصبحت أديبا أو شاعرا. كما أحب المسرح، وأعمالي مرتبطة به.
في كل منحوتة دراما وتراجيديا وكوميديا. وكثيرا ما أختار الأدباء أعمالي غلافا لكتبهم، كما اختارت منظمة حقوق الإنسان في بريطانيا قبل عشر سنوات، صورة تمثالي (الشلل والمقاومة) غلافا لكتابها الذي حمل العنوان نفسه. ويمثل عملي هذا وجه رجل يصرخ بعنف والقيود تعصب عينيه وتكمم فمه».
وتابع، «اشتغلت في البداية بأسلوب أكاديمي صرف. وكنت أتساءل دوما وأنا أعمل وأبحث (كيف أميز نفسي؟.. كيف تحكي أعمالي عني؟ كيف أتميز في الفنانين؟) كانت تلك التساؤلات هاجسي وتسبب لي القهر. كانت الصعوبة تكمن في توفر العزم وفقدان المسار.
وكانت البداية عام 1970 مع تمثال «الجوع» الذي يمثل امرأة بالحجم الطبيعي مع طفلها، إذ أدركت خلال عملي عليه خصوصية تفاعلي مع هذا الأسلوب واستغراقي الكامل في العمل وتوحدي فيه. وقد جمع التمثال بين الحركة والتمرد والتوتر والغضب المشوب بالخوف».
في إطار خصوصية أسلوبه الفني قال، «وظفت في أعمالي الفنية عددا كبيرا من الرموز ذات الخاصية الدرامية، صراع الإنسان مع القيود التي تكبل جسده أو عينيه وفمه، التواءات الجسد التي تنم عن ألم وصراع إما للانعتاق أو الهروب أو الغضب العارم أو حالة التمرد».
وبيّن أنه بالتزامن مع سياق أعماله تلك، كان قد بدأ منذ عشر سنوات بدراسة ذات توجه آخر، اعتمد فيها على المواءمة بين تموجات البحر وثنايا رمال الصحراء، وأجرى العديد من الدراسات والمنحوتات، واستطاع عام 2001 الوصول إلى بعض النتائج الملموسة. وقال إن جهوده أتت بثمارها حينما تم تكليفه من قبل إعمار العقارية بعمل نحتي يزين ساحة برج دبي. واقترح عليهم منحوتة «السدرة» التي توجت جهوده في العام الحالي.
وقال عن نشاطه في مختلف أوجه الفن الأخرى، «أنا كل شيء في الفن، فالفن التشكيلي عطاء بلا حدود. فإلى جانب النحت أعمل على الجرافيك والحفر والخزف مع رسمي الدائم للوحات فنية واسكتشات تبرز تشريح حركة الإنسان في مختلف الوضعيات.
ومن أهم تجاربي في هذا الإطار، لوحاتي التي رسمت فيها «السدو»، أي النسج المعروف عموما في منطقة الخليج، وإن كان للنسج اليدوي في كل بلد خصوصيته سواء في الزخرفة أو اللون. كانت الناسجات اليدويات يغزلن الخيوط من صوف الجمال والماعز ويصنعن احتياجاتهن المنزلية ابتداء من الخيمة «بيت الشعر» إلى البسط والمساند. كانت مهنة منزلية متوارثة وأساسية. من وحي هذا التراث والنقوش والزخارف المكررة المتوارثة، رسمت عددا كبيرا من اللوحات بصورة فنية تشكيلية وثقت فيها تراثنا، ولاقت رواجا كبيرا لربع قرن من الزمن».
أوضح محمد أن العمق الروحي والنضج الفكري يكتسبه الفنان كأي فرد عادي، لكن ما يميزه هو تفاعله الداخلي مع المعطيات الخارجية والتأمل في قراءاته ورهافة حسه. وقال، «يحتاج الفنان ليتمكن من توصيل رسالته، إلى العمل على بناء نفسه من الداخل بصورة سليمة، وإلا لن يكون لوجوده محل من الإعراب. ورسالة الفنان التشكيلي تتطلب جهدا أكثر من الأديب، فمن الضروري أن يتواصل التشكيلي مع الفن والفنانين ورؤية أعمالهم بصور دائمة. فكل تواصل أو رؤية تضيف للفنان سواء سلبا أم إيجابا».
وبانفعال يقول، «الأهم من كل ذلك هو التواضع، والتنائي عن الغرور. وما أكثر من أمسكوا الفرشاة لبضع سنوات في بلداننا واعتبروا أنفسهم من رواد الفن وعمالقته. فإن قال أحدهم (أنا أهم من أجاد التشريح)، فأين ذهب إذن مايكل أنجلو وغيره؟ التواضع يعني غزارة الإنتاج والغرور مقبرة الإبداع».
وأضاف، «من العوامل المهمة لإبداع الفنان (الاستقرار)، فالاستقرار يولد العطاء. وحال الفنان كعجز البلد الذي لا استقرار فيه عن انتشال اقتصاده من الانهيار والارتقاء إلى الإنتاج. كما علينا الانتباه إلى أن عدم توفر عامل التفرغ، لا يعني أن يتوقف الفنان عن الإنتاج، فهذا دليل على أنه ليس بفنان. ماذا عن فان كوخ الذي عاش في فقر مدقع وكان ينتظر إعانات أخيه ليتمكن من توفير الألوان؟ لن تعطنا الحياة إن لم نعطها».
في الختام قال محمد بصفته فنانا مخضرما واكب الحركة التشكيلية في منطقة الخليج عن كثب، «أشارك في الحركة الفنية في منطقة الخليج بصورة فعالة، وأشرف على مجموعة تضم 80 فنانا تشكيليا، والتي أسموها «مجموعة سامي محمد». وقد نظمت لهم معرضا مؤخرا، فالعطاء جزء من رسالة الفنان.
وعن انطباعه عن الحركة الفنية التشكيلية في المنطقة قال، «علينا أن نساعد ونرعى المواهب الشابة ودعمها لتكون أفضل منا. ولم تستوقفني حتى الآن أية تجربة فنية».
رشا المالح

